التعليقات - ابن سينا - الصفحة ٥٧ - المادة و الصورة
المعنى العام لا وجود له إلا بأشخاصه، و الواحد بالعدد لا يستحفظ بالمعنى العام، و المادة واحدة بالعدد و لا يجوز استحفاظها بأيّ صورة كانت. و الواحد بالمعنى العام بالحقيقة هو أن تكون أجزاؤه أيضا بالمعنى العام. فلو كانت الصورة و علة الصورة كلتاهما بالمعنى العام لكان لا يصح استحفاظ المادة بهما. لكن لما كان أحدهما، و هو العلة، واحدة بالعدد صح استحفاظ المادة بمجموعها. و إنما المختلف بالمعنى العام هو واحد منهما و هو الصورة و العلة، و هى واهب الصور، تستحفظ المادة بواحد من المختلف بالمعنى العام.
[العلة العامة]
العلة العامة لا يجوز أن تكون لمعلول خاص، فإن البناء على الإطلاق لا يصح أن يكون علة لبناء بيت معين، و إنما تكون العلة بناء خاصّا معيّنا، و النجار مطلقا لا يكون علة لهذا الباب بل هذا النجار علة له. و على هذا القياس أورد الشك، فإن الصورة أخذت بالمعنى العام و الهيولى خاصة.
[المادة و الصورة]
الهيولى ليست علة للصورة فى تقويمها، و لكن الصورة لا تفارقها، و ليس كل ما لا يفارق شيئا يجب أن يكون ذلك الشىء مقوّما له.
لو كانت المادة علة للصورة لكانت الصورة واحدة غير مختلفة، و الصور فى ذواتها مختلفة. إن قيل: إنّ اختلاف أحوال المواد علة لوجود صور مختلفة، قلنا: و هل تختلف أحوال المادة إلا بقبول هيئات يكون الكلام فيها كالكلام فى الصور؟ فليس السبب فى اختلاف قبول المادة للصور المختلفة هو اختلاف أحوال المادة، و العلة فى اختلاف الصور تلك الأحوال. فبقى للمادة القبول فحسب.
المادة ليست بذات أمرين: بأحدهما توجد و بالآخر تستعد كالطبيعة و الحركة فى المادة، فإن الطبيعة هى المحركة و المادة هى القابلة.
كل حادث مفتقر إلى مادة.
لما كان الشىء إنما يصير هو ما هو بصورته، و كانت الهيولى إنما هى ما هى بالاستعداد المشار إليه، كان هذا الاستعداد للهيولى رسما و ظلا للصورة لا نفس الصورة، فإن الهيولى يجب أن تكون معرّاة عن الصور، و إلا لم تكن هيولى. فهذا الاستعداد لها ليس هو صورتها بل هو شبيه بالصورة.
قوله: «مجتمعة و متعاقبة»- يشير إلى الصور الفلكية لأن صورها مجتمعة فيه، و الحركات فيه متعاقبة، و فى الكائنة الفاسدة متعاقبة لا مجتمعة.