التعليقات - ابن سينا - الصفحة ٣٤ - عدم علم الانسان بحقايق الأشياء
التي يوصف بها ليست هى شيئا يلحق ذاته بل هو معنى سلبى الوجود، و كذلك اللوازم التي توصف بها فيقال: هى من لوازمه هى خارجة عن تلك الذات، و كل ما سواه فلا يمكن أن يتوهم أنه بذلك التحدد لأنه معلول، و كل معلول فذو ماهية و يكون له صفة أو حلية، فيكون هناك كثرة بوجه ما. كل ما كان أقلّ بساطة فإنه فى باب المعلولية أبلغ. و الجسم ذو كمية و كيفية و وضع و عوارض و لواحق كثيرة. فالمعلولية فيه ظاهرة، و كذلك الصور الجسمانية تلحقها عوارض و هيئات و أحوال لا تنفك منها. و النفس أيضا تلحقها هيئات و عوارض. و العقل أبعد عن ذلك، فلذلك تنقسم النفس إلى:
أفعال، و قوى، و العقل لا ينقسم.
لما كان الإنسان لا يمكنه أن يدرك حقيقة الأشياء لا سيما البسائط منها بل إنما يدرك لازما من لوازمه أو خاصة من خواصه، و كان الأول أبسط الأشياء، كان غاية ما يمكنه أن يدرك من حقيقة هذا اللازم، هو وجوب الوجود إذ هو أخص لوازمه.
[قدرة الواجب]
القدرة هى أن يصدر عن الشىء فعل بمشيئته، و أنت قد عرفت أن الفعل الصادر عن الأول صادر عنه بإرادة، فيكون قد فعل لأنه شاء و لو لم يشأ لم يفعل. و كذلك لا يلزم أنه لا يشاء لأن الشرطىّ لا تتعلق صحته بصدق جزئيته فإذ قد فعل فقد شاء، و ما لم يفعل فلأنه لم يشأ. و لا يتغير الحكم فى أن الشىء قادر، إذا القدرة تتعلق بالمشيئة سواء كانت المشيئة يصح عليها التغير أو لا يصح عليها التغير.
[عدم علم الانسان بحقايق الأشياء]
الوقوف على حقائق الأشياء ليس فى قدرة البشر. و نحن لا نعرف من الأشياء إلا الخواصّ و اللوازم و الأغراض، و لا نعرف الفصول المقوّمة لكل واحد منها، الدالة على حقيقته، بل نعرف أنها أشياء لها خواص و أعراض، فإنّا لا نعرف حقيقة الأول و لا العقل و لا النفس و لا الفلك و النار و الهواء و الماء و الأرض، و لا نعرف أيضا حقائق الأعراض. و مثال ذلك أنّا لا نعرف حقيقة الجوهر، بل إنما عرفنا شيئا له هذه الخاصية و هو أنه الموجود لا فى موضوع. و هذا ليس حقيقته، و لا نعرف حقيقة الجسم بل نعرف سببا له هذه الخواص و هى: الطول و العرض و العمق، و لا نعرف حقيقة الحيوان، بل إنما نعرف سببا له خاصية الإدراك و الفعل، فإن المدرك و الفعال ليس هو حقيقة الحيوان بل خاصة أو لازم. و الفصل الحقيقى له لا ندركه، و لذلك يقع الخلاف فى ماهيات الأشياء، لأن كل واحد أدرك لازما غير ما أدركه الآخر فحكم بمقتضى ذلك اللازم. و نحن إنما نثبت شيئا ما مخصوصا عرفنا أنه مخصوص من خاصة له أو خواص، ثم عرفنا لذلك الشىء خواصّ. أخرى بواسطة ما عرفناه أولا ثم توصلنا