التعليقات - ابن سينا - الصفحة ١٨٩ - الفرق بين تعقل الواجب و تعقل غيره
فإذن كل واحد منهما يحتاج فى وجوده إلى أمر من خارج متقدم عليهما، إذ لا تقدم لأحدهما على الآخر، إذ فرضناهما متكافئين. و العلة يجب أن تكون متقدمة.
و إن كان أحدهما علة و الآخر معلولا فإنه يكون أحدهما واجبا بذاته، و الآخر وجوده مستفاد منه. و بهذا نعلم أن واجب الوجود بذاته لا أجزاء له، فإن الأجزاء سبب للجملة، فإذن لا تعلق لواجب الوجود بشيء.
[امتياز وجود الممكنات عن ماهيتها]
وجود الأجسام و أعراضها، و بالجملة وجود العالم المحسوس، ظاهر. و جميع هذه الموجودات وجودها خارج عن ماهيته، إذ جميع هذه ماهيات فى المعقولات العشر، و كلها ممكنة الوجود فى ذواتها. قوام الأعراض بالأجسام، و الأجسام قابلة للتغيرات. و أيضا فإنها مركبة من مادة و صورة، و كل واحد منها جزء للجسم.
و المادة لا قوام لها بالفعل، و كذلك الصورة و كل ما كانت هذه صفاته- أعنى التغير و التجزؤ. و اجتماع جملتها من الأجزاء و حصول معنى ما بالقوة- فهو ممكن الوجود. فكل ما هو ممكن الوجود فإنه يخرج إلى الفعل بأمر من خارج، و يكون تعلق وجوده بذلك الأمر، و هذا هو معنى الحدوث، أعنى أن يصير الشىء أيس، بعد أن كان ليس، بعدية بالذات، أى أنه متأخر الوجود عن وجود علته. و قد بينا أن جميع العلل تنتهى إلى واجب الوجود بذاته- و أن واجب الوجود بذاته واحد، فيجب أن يكون للعالم مبدأ لا يشبهه، فوجود العالم منه. و وجود ذلك المبدأ يكون واجبا بذاته، بل تكون حقيقته الوجود المحض، أى لا يخالطه معنى ما بالقوة و ما سواه يكون وجوده منه، مثل الشمس التي هى مضيئة بذاتها، و ما سواها مضىء بها، و الضوء عارض منها. و هذا المثال يصح لو كانت الشمس نفس الضوء، و لم يكن للضوء موضوع. و لكن الأمر بخلاف ذلك، فإن ضوء الشمس له موضوع، و واجب الوجود بذاته لا موضوع له، بل هو قائم بذاته.
[المعلوم بالحقيقة]
المعلوم بالحقيقة هو نفس الصورة المنتقشة فى ذهنك. و أما الشىء الذي تلك الصورة صورته، فهو بالعرض معلوم. فالمعلوم هو العلم، و إلا كان يتسلسل إلى ما لا نهاية.
[الفرق بين تعقل الواجب و تعقل غيره]
إن السبب فى أن يكون الشىء معقولا، هو بأن يتجرد عن المادة، و كذلك السبب في أن يصير الشىء عاقلا هو أن يتجرد عن المادة، أعنى العقل. فإذا حصلت صورة مجردة عن المادة، لصورة مجردة عن المادة، كان ذلك النحو من الحصول عقلا، و الصورة الإنسانية إذا تجردت عن المادة، و استحضرتها نفسك، كانت نفسك، على ما ذكر فى «كتاب النفس»، عاقلة للمعقول من تلك الصورة الإنسانية. و بالجملة