التعليقات - ابن سينا - الصفحة ١٨٥ - عدم الماهية للواجب
كل ذى ماهية فهو معلول، و الآنية معنى طارئ عليه من خارج، فهى لا تقوّم حقيقته، فإما أن تكون تلك الماهية علة لآنيتها، و إما أن تكون علتها أمرا من خارج، أعنى علة الآنية. فإن كانت الماهية علة لوجود ذاتها، فإما أن تكون علة و هى موجودة له، أو علة و هى معدومة. و محال أن تكون معدومة و هى علة لوجود ذاته. و إن كانت موجودة كان لها وجودان. و الكلام فى الوجود الأول الذي به صارت الماهية علة للوجود الثاني، كالكلام فى الوجود الثاني، و يتسلسل إلى ما لا نهاية. و هى تستغنى بالوجود الأول عن الوجود الثاني إن كان لها ذلك الأول.
الذي يجب أن يبين من أمرها هو أنها هل هى وجدت بوجود متقدم، أم وجدت و هى معدومة؟
إن كانت موجودة و هى علة، فإنها تستغنى بالوجود الأول عن الثاني. فإن كان علة واجب الوجود أمرا عن خارج كان متعلقا بسبب، و هو محال، فإذن حقيقة الأول معنى شرح اسمه أو لازمه أنه واجب وجوده بذاته، أو أنه يجب وجوده، لا ما يجب وجوده فتثبت ماهية غير الآنية. و هذا كما يخبر عن القوى بلوازم، كما يقال: إن النفس ما يصدر عنه كذا و كذا، و هذا هو من لوازم النفس لا حقيقتها. و هذه الحقيقة التي قلنا إن واجب الوجود بذاته لازم لها، هى الحقيقة المطلقة، فإن حقيقة كل شىء وجوده. و حيث لا يكون معنى ما بالقوة أصلا، بل يكون إما وجود مطلق، أو وجود يكون وجوب الوجود من لوازمه، تكون الحقيقة المطلقة البريئة عن معنى ما بالقوة و الأعدام، فلهذا صار أخص الصفات به الوحدة و الحقية. إذا شاركه فى هذين المعنيين شيء، فالواحد الحق أخص الصفات به.
فالوحدة مساوية للحقية المطلقة، إذ لا واحد مطلقا سواه، و الوجود المطلق هو الحقية، و هو البراءة عن جميع ما بالقوة.
كل ما يقبل التغير فإنه يكون لما قبله سبب من خارج، و محال أن يكون واجب الوجود بذاته قابلا أن يكون له تعلق بسبب.
الوجود لا فى موضوع يحمل على وجود الأول على أنه هو، لا على حمل الجنسية، و كذلك الحال فى حمل واجب الوجود عليه.
الأول لا يدرك كنهه و حقيقته العقول البشرية، و له حقيقة لا اسم لها عندنا.
و وجوب الوجود إما شرح اسم تلك الحقيقة أو لازم من لوازمها، و هو أخص لوازمها و أولها، إذ هو لها بلا واسطة لازم آخر. و سائر اللوازم فإن بعضها يكون