التعليقات - ابن سينا - الصفحة ٣٧ - الكيفية عند التغير
[براهين عدم جسمية الواجب]
قوم من أصحاب النظر سلكوا الطريق إلى معرفة الأول من المعلومات فقالوا: إن الأجسام لا تنفك عن الأعراض، و الأعراض محدثة فهى إذن محدثة. و قالوا: كل جسم محدث و لا يصح أن يكون الأول جسما و هذه الحجة مع اختلالها و فساد مقدماتها غير مرتضاة فى معرفة الحقيقة فى ذلك من حيث السلوك. أ لا ترى أن المحققين سلكوا إلى معرفة واجب الوجود بذاته و أنه ليس بجسم مسلكا آخر و هو أنهم قالوا: إن واجب الوجود بذاته لا ماهية له، و كل جسم فله ماهية، و الوجود خارج عنه. فواجب الوجود ليس بجسم. و قالت الفرقة المتقدمة فى بيان التوحيد بمسألة التمانع أى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» [١] و هى مع سخافتها غير مؤدية إلى حقيقة المطلوب كما يجب، و إنما الطريق الحق هو أن يقال: إن واجب الوجود بذاته لا يصح أن يكون له علة، و كل معنى تتكثر أشخاصه فإنه يتكثر بعلة، و سائر ما قيل فى بيان ذلك من أنه لا يصح أن تكثر أنواعه. و كل هذه البيانات تبنى على مقدمات أولية عقلية غير ملتفت فيها إلى المحسوس و إلى معلومات الأول.
[عدم انقسام الواجب]
لا يصح فى واجب الوجود الاثنينية فإنه لا ينقسم، لأن المعنى الأحدى الذات لا ينقسم بذاته فإن انقسم هذا المعنى و هو وجوب الوجود فإما أن يكون واجبا فيه أو ممكنا أن ينقسم، و كلا الوجهين محال فى واجب الوجود فإنه غير واجب فيه أن ينقسم اثنين لأنه بذاته واجب و لا علة له فى وجوده فهو أحدىّ الذات و الإمكان منه أبعد.
[الفرق بين الوجود الذهنى و الخارجى]
المعنى فى الأعيان غير وجوده فى الذهن، و مثال ذلك الفرح مثلا فإن وجوده فى الإنسان غير وجود صورته فى الذهن. و إذا وجد الفرح و علم أنه قد فرح: يكون قد حصل صورة الفرح فى ذهنه، و قد يكون الإنسان فرحا و لا يعلم أنه قد فرح كمن يبصر شيئا و لا يعلم أنه يبصر، فإذا علم أنه أبصره يكون قد علم ذاته أولا، و إذا لم يعلم أنه أبصره لم يحصل صورته فى ذهنه فلم يكن له وجود فى ذهنه.
[نسبة الأفعال إلى وجود الملكات]
نسبة الأفعال الجميلة إلى وجود الملكة الفاضلة كنسبة التأملات و الأفكار إلى وجود اليقين. فكما أن التأملات و الأفكار لا توجد اليقين بل تعد النفس لقبول النفس فكذلك الأفعال الحسنة تعد النفس لقبول الملكة الفاضلة من عند واهب الصور.
[الكيفية عند التغير]
قولنا: «تغير فى سواديته» أى تغير فى الفعل لا فى عارض، و الكيفية تبطل عند التغير و تجىء كيفية أخرى إما أن تكون مثلها فى النوع أو تخالفها لا محالة بشيء و إلا فلم تتغير بحسب المشابهة، بل تكون الأحوال متشابهة. و إن كانت الكيفية تخالف
[١] سورة الأنبياء آية ٢٢.