التعليقات - ابن سينا - الصفحة ١٩٢ - الفرق بين تعقل الواجب و تعقل غيره
اللوازم هى الهيئات العلمية. و لو أنها كانت موجودة فى ذهنك لم يكن وجودها فى غير ذهنك غير معقوليتها. فإذ قد صدرت عن واجب الوجود بذاته مجردة فوجودها معقوليتها. لو أنها حصلت فى ذهنك كان نفس وجودها عقليتك لها، و ما كان يجب أن توجد أولا ثم تعقلها، بل نفس وجودها فى ذهنك نفس معقوليتها.
الحسّ يعنى به الإدراك الحسّى، و العقل يعنى به الإدراك العقلى، أى انتقاش الصورة المعقولة فى العقل، و هو نفس الإدراك، كما أن انتقاش المحسوس فى الحس هو نفس الإدراك الحسى. فإذا تصور الشىء فى العقل فنفس حصوله فى العقل هو نفس العقل.
الإدراك ليس هو بانفعال ما لمدرك، لأن المدرك لا تتغير ذاته من حيث هو مدرك بل تتغير أحواله و أحوال آلته.
الأول يعرف كل شىء من ذاته لا على أن تكون الموجودات علة لعلمه بل علمه علة لها مثل أن يكون البنّاء يبدع فى الذهن صورة بيت فيبنيه على ما فى الذهن فلولا تلك الصورة المتصورة من البيت فى الذهن لم يكن للبيت وجود، فلم تكن صورة البيت علة لعلم البناء به. و ما يكون بخلاف ذلك فإنه كالسماء التي هى علة لعلمنا بها، فإن وجودها علة لعلمنا بها. و قياس الموجودات إلى علمه كقياس الموجودات التي نستنبطها بأفكارنا ثم نوجدها فإن الصورة الموجودة من خارج علتها الصورة المبدعة فى أذهاننا و لكن البارى لم يكن يحتاج معه إلى استعمال آلة و إصلاح مادة بل كما نتصور نحن وجود الشىء بحسب التصور. و أما نحن فنحتاج مع التصور إلى استعمال آلات و نحتاج إلى شوق إلى تحصيل ذلك المتصور و طلب لتحصيلها. و الأول غنيّ عن كل هذا. و شبّه طاعة المواد و الموجودات لتصوره- سبحانه بأن يتصور شيئا! فإذا حصل منا الإجماع لطلبه انبعثت القوة التي فى العضلات إلى تحريك الآلات من دون استعمال آلة أخرى فى تحريك الآلات. و هذا معنى قوله «كن فيكون».
اللّه يوجد الشىء على ما يتمثله. فما يوجد فيه زمان يكون قد تصوره على أنه يكون فى زمان بعد زمان كذا، مثال ذلك: أنه إذا علم أن الشمس كلما كانت فى الحمل فى درجة فإنها تنتهى إلى آخرها فى مدة كذا، أى فى زمان قدره كذا فتصوّره للأشياء