التعليقات - ابن سينا - الصفحة ١٢٤ - الفرق بين تعقل الواجب و تعقل غيره
نعرف تلك الهيئات و الصور التي هى متناهية مع النسب التي بينها التي هى غير متناهية، و كان يسقط إدراك العلم بغير المتناهى. فهكذا يجب أن نتصور علم البارى و أنه يعلم الأشياء الغير متناهية لأن الصور لا محالة متناهية، و النسب التي بينها موجودة له معلومة و إن كانت فى ذواتها غير متناهية فهو يعلمها كلها متناهية.
لوازم البارى غير متناهية إلا اللازم الأول، و هو ما عقله من ذاته من العقل الأول.
فأما اللوازم التي (٤٣ ا) بعده فهى بوساطته و تترتب لازما بعد لازم، و هى غير متناهية. و اللازم الأول هو اللازم بالحقيقة و هذه الأخر هى لوازم لازمه. لا تتقوم الذات باللازم، بل الذات توجب اللازم و تقتضيه، فهى علته و بها وجوده.
قوله: «علة بذاته للخير و الكمال بحسب الإمكان» معناه أن إمكان الخير و الكمال فى الموجودات عنه مختلف. فإن إمكان الخير و الكمال فى العقول و الأبديات هو بخلاف إمكانه فى الكائنة الفاسدة و كل شيء يقبل الخير و الكمال بحسب ما فى حده.
الصور المادية من حيث هى صور فعل، و إمكان وجود هذه الصور فى أشياء أخر، فإذن هى ممكنة الوجود. و الصور المفارقة هى فعل، و ليس فيها قوة و لم تكن وقتا بالقوة بل كانت لم تزل فعلا، و لا يصح أن تلابس المادة بوجه. فإذن إمكان وجودها فى ذاتها، و معنى إمكان وجودها حاجتها إلى موجدها إلا أن إمكان وجودها فى أشياء أخر كالحال فى تلك الصور الأخرى.
كيف يكون إمكان الوجود فى الأشياء القائمة بذاتها التي ليست فى موضوع و لا من موضوع؟ و القوة فى الأبديات؟
إمكان الوجود قد يكون مخالطا للعدم، و هو المقارن للمادة، و ما هو باعتبار الشىء فى نفسه و موضوعه. و ماهية الشيء التي لها بذاتها أن تكون ممكنة لا واجبة و لا ممتنعة، و لها من جهة العلة: الوجود، و من جهة أن لا علة: الامتناع.
إن قيل: ما يكون فعلا كيف يكون قوة؟ قلنا: إن الإمكان بإزاء الوجوب.
إضافة عقلية البارى إلى الموجودات إضافة مخصصة، و هى إضافة أنها معقولة له، فإنها تفيض عنه معقولة لا تفيض عنه فيعقلها بعد فإنها لا محالة معلولة ذاته، و هو يعقل ذاته و لوازم ذاته. ثم إن كان يعقلها من حيث هى موجودة لا من ذاته فلا يخلو إما أن يكون مبدءا لها فلا يعقل ذاته و لا لوازمه، فيكون إدراكه لها عند وجودها و هذا محال.
أو لا يكون مبدءا لها، و هذا أيضا أشد إحالة.