التعليقات - ابن سينا - الصفحة ١٢٣ - الفرق بين تعقل الواجب و تعقل غيره
و عقله لها، و يعقل لوازم تلك الموجودات من لوازمها مثل الزمان و الحركة. و أما الفاسدات فإنه يعقلها فاسدة من جهة أسبابها و عللها كما تعقل أنت فاسدا إذا عقلته من جهة أسبابه، مثال ذلك أنك إذا عقلت أنه كلما تعفنت مادة فى عرق تبعها حمى و تعلم مع ذلك من الأسباب و العلل و أن شخصا ما يوجد تحدث فيه هذه فتحكم أن ذلك الشخص يحمّ فهذا الحكم لا يفسد، و إن فسد الموضوع و شيء آخر و هو أن المعقولات التابعة للمحسوسات مما لم تدرك بعلة فإن كل ما تحسه تعقله من وجه. و إن لم يكن معقولا من جهة العلل و الأسباب فإنه زمانى متغير و بالحقيقة المدرك الزمانى يكون بالحسّ و التخيل، إذ نحن ليس يمكننا أن نصادف شيئا جزئيا إلا فى زمان. و الأول حكمه بخلاف حكمنا، فإن الزمان هو معقول له من كل وجه، و هو محسوس لنا من وجه، و معقول من وجه.
و المشخصات أيضا معقولة من وجه ما، فإن وضعا ما أوجبه سبب من الأسباب يمكن أن يعقل ذلك السبب كليا و الوضع كليا. و الأول لما عقل هذه الأشياء على تراتيب وجودها أدركها كلها على تراتيبها. و الشخص و إن كان فى الوجود شخصيا فإن ذلك الشخص عقلى عنده من حيث أدركه من أسبابه. و عندنا أيضا لو أنا أدركنا علل شخص ما، كنا نحكم بأنه كلما وجدت تلك العلة وجد شخص تلك العلل علل شخصيته، لكنا لا نعلم أى سبب يتأدّى إلى وجود هذه الأسباب فإن الأسباب السابقة غير متناهية، و عند الأول تلك الأسباب على نظامها و تراتيبها معقولة له فلا يعزب عن علمه شيء من الموجودات.
نحن إذا أدركنا شخصا ما، حكم العقل بأنه لا تقع الشركة فيه، و لا يحمل على كثيرين، فندرك من هذا أنه شخص. فلو عرفنا هذا من حيث هذا الشخص لكان وجب أن نعرف شخصيته من علله و أسبابه و لوازمه حتى يتأدى إلى ذات البارى. و ليس هذا فى قدرة البشر، و كان علمنا بشخصيته يصح اذ ذاك لا حين استفدنا شخصيته و وجوده من الحس.
لا يصح أن تكون صورة واحدة معقولة مرارا كثيرة، كما نعقل نحن صورة النفس من أشخاص الناس فإنّا نعقلها مرة واحدة، و لكن تارة مع لوازم هذا الشخص و تارة مع لوازم ذلك الشخص، أو كالصورة الجسمية التي تشترك فيها أشياء جسمية كثيرة و يكون كل واحد من تلك الأشياء له لوازم غير لوازم الآخر.
لو كانت الصور و الهيئات محصورة مجموعة حاضرة لنا، و كنّا نعرف النسب بينها من غير تكلف اعتبار تلك النسب، و إن كانت تلك النسب فى ذواتها غير متناهية لكنّا