التعليقات - ابن سينا - الصفحة ١٢١ - الفرق بين تعقل الواجب و تعقل غيره
عن علم مضمونه، فيقال: هل تعرف ما فى الكتاب؟ فتقول: نعم، إذ كنت تتيقن أنك تعلمه و يمكنك تأديته على تفصيله. و العقل البسيط هو المصور بهذه الصورة. و ليس فى العقول الإنسانية عقل على هذا المثال و يكون متصورا بصور المعقولات جملة واحدة و دفعة واحدة. فكما يسمع القصة مثلا يتمثل له الحد الأوسط من غير اكتساب و فكر فيه و انتقال من معلوم إلى مجهول اللهم إلا أن يكون نبيا. و العلم العقلى هو بلا تفصيل، و النفسانى هو بالتفصيل.
كل معقول للأول بسيط، أى معلوم له بما له من اللوازم و الملزومات إلى أقصى الوجود.
الأول يعقل الأشياء و الصور على أنه مبدأ لتلك الصور الموجودة المعقولة و أنها فائضة عنه مجردة غاية التجريد ليس فيه اختلاف صور مرتبة متخالفة بل يعقلها بسيطا و معا باختلاف ترتيب و ليس يعقلها من خارج.
كما أن وجود الأول مباين لوجود الموجودات بأسرها فكذلك تعقّله مباين لتعقل الموجودات، و كذلك جميع أحواله فلا تقاس حالة من أحواله إلى ما سواه. فهكذا يجب أن يعقل حتى يسلم من التشبيه، تعالى عن ذلك.
الموجودات كلها من لوازم ذاته، و لو لا أنها من لوازمه لم يكن لها وجود. و كذلك هى منتقشة الصور فى العقول، و هى فيها كالهيئات الموجودة فيها إذ هى معلولة للهيئات الموجودة فيها، و لو لا ذلك لم تكن موجودة. و كذلك الكائنات و الحادثات منتقشة فى نفوس الكواكب و الأفلاك، و لولاها لم تكن كائنة، فلو كانت نفوسنا تتخيل بقوة خيال الكواكب و الأفلاك لكانت مطالعة لجميع ما يحدث و يكون.
يجوز أن يكون للشخص الواحد (٤٢ ا) صفات و أحوال تكتنفه من جهات تكون كلها مشخصة له، و تكون أيضا شخصيات لا محالة لأن ما يشخص الشخصى شخصى و تلك الشخصيات أيضا لها مشخصات جزئية فتتسلسل و سببها الحركة التي تقرب و تبعد، و هى غير متناهية إلا أنها لا توجد معا بل يفوت شيء و يلحق آخر.
قوله: «فيستند إلى أمور شخصيته» أى من حيث وجود ذلك النوع فى شخصه.
الأشياء الفاسدة تدرك من وجهين: إما أن تدرك بشخصيتها و جزئيتها و ذلك إما بالحس أو التخيل، و إما أن تدرك بأسبابها و عللها. و العلم بها من الوجه الأول يتغير بتغيرها، و بالوجه الثاني لا يتغير لأن ذلك السبب كلى لا يتغير و هو نوع فى شخصه و هو مقول عليها و على غيرها من أشخاص ذلك النوع، و ذلك كإنسانية زيد، فإن العلم بها