تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ١٢٣
(وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً) قال ابن عباس : يعني الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير إذا حلّ عنها وحكى الفرّاء هذا القول ثم قال : والذي سمعت من العرب أن يقولوا : أنشطت ، وكأنما أنشط من عقال ، وربطها نشطا ، والرابط : الناشط ، وإذا ربطت الحبل في يد البعير فقد نشطته وأنت ناشط ، وإذا حللته فقد أنشطته وأنت منشط.
وعن ابن عباس أيضا : هي أنفس المؤمنين عند الموت ، ينشط للخروج وذلك أنه ليس من مؤمن يحضره الموت إلّا عرضت عليه الجنّة قبل أن يموت فيرى فيها أشباها من أهله وأزواجه من الحور العين فهم يدعونه إليها ، فنفسه إليهم نشيطة ان تخرج فتأتيهم ، وقال علي ابن أبي طالب : هي الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الجلد والأظفار حتى تخرجها من أجوافها بالكرب والغمّ، وقال مجاهد : هو الموت ينشط نفس الإنسان ، وقال السندي : حين ينشط من القدمين ، عكرمة وعطا : هي الأدهان ، قتادة والأخفش : هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق ، أي تذهب ، يقال : حمارنا ناشط ينشط من بلد إلى بلد أي يذهب ، ويقال لبقر الوحش نواشط ، لأنها تذهب من موضع إلى موضع. قال الطرماح :
|
وهل بحليف الخيل ممّن عهدته |
|
به غير أحدان النواشط روّع [١] |
والهموم تنشط بصاحبها ، قال هميان بن قحافة :
|
أمست همومي تنشط المناشطا |
|
الشام بي طورا وطورا واسطا [٢] |
وقال الخليل : النشط والإنشاط [٣] مدّك شيئا إلى نفسك حتى تنحل.
(وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً) قال علي : هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين ، وقال الكلبي : هم الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين كالذي يسبح في الماء فأحيانا ينغمس وأحيانا يرتفع يسلونه سلا رفيقا ثم يدعونها حتى يستريح ، وقال مجاهد وأبو صالح : هم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين كما يقال للفرس الجواد ، سابح إذا أسرع في جريه ، وقيل : هي خيل الغزاة. قال امرؤ القيس :
|
مسح إذا ما السابحات على الونى |
|
أثرن الغبار بالكديد المركل [٤] |
وقال قتادة : هي النجوم والشمس والقمر. قال الله سبحانه : (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [٥] وقال عطا : هي السفن.
[١] جامع البيان للطبري : ٣٠ / ٣٨.
[٢] لسان العرب : ٧ / ٤١٥.
[٣] النشط : هو الإيثاق ، والإنشاط هو الحلّ ، تاج العروس : ٥ / ٢٣١.
[٤] كتاب العين : ٣ / ١٦.
[٥] سورة يس : ٤٠.