المعالم الأثيرة في السنة و السيرة - حميد الله، محمد - الصفحة ٧ - مقدمة المصنف
٢- و لهذا كانت عنايتي بهذه المعالم النبوية التي شهدت مواطئ أقدام رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، و كانت له فيها أقوال و أفعال .. ألا يجدر بنا أن نستروح عبيرها، و نعيش معها لحظات من حياتنا، نتأملها، و نتذكر ماضيها، لنبقى مرتبطين بذاك الماضي، و ننقل الماضي إلى الحاضر، نعيش في كنفه .. و نحن لا نفعل ذلك تقديسا لشخص و عبادة لمعلم، و إنما نفعل ذلك، لما يحمله المعلم من معاني خالدة و تاريخ مجيد .. و إذا كنا اليوم نقيم المتاحف لنجمع فيها آثار زعماء و رجال، لم يكن لهم من مجد مقدار قلامة ظفر رسول اللّه فلما ذا لا نفعل هذا مع تراث رسول اللّه؟ و إذا كنا نجمع اليوم بين الآثار، و التاريخ لتمجيد زعماء و قواد، ما يقاس فضلهم على الناس بفضل رسول اللّه على البشرية؟ فلما ذا لا نجمع بين السيرة العطرة المرويّة، و بين آثاره في المعالم التي شهدت حياته؟ .. و إذا فعلنا ذلك، لا نكون قد خرجنا على ما استنّه الصحابة رضوان اللّه عليهم في هذا السبيل .. و لنأخذ من سيرة عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما بعض النماذج في هذا الطريق: فقد روي عن نافع أن ابن عمر كان يتبع آثار النبي ( صلّى اللّه عليه و سلّم ) ، فيصلّي في كل مكان صلّى فيه، حتى أن النبي نزل تحت شجرة، فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة فيصبّ في أصلها الماء لكيلا تيبس. (حياة الصحابة ٢: ٦٥٥).
و قال مجاهد: كنا مع ابن عمر في سفر، فمرّ بمكان فحاد عنه، فسئل لم فعلت ذلك؟ قال: رأيت رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلّم ) فعل هذا ففعلت (مسند أحمد ٢/ ٤٠).
و عن نافع أنّ ابن عمر كان في طريق مكة، يقول برأس راحلته، يثنيها و يقول: لعل خفّا بقع على خفّ- يعني خف راحلة النبي ( صلّى اللّه عليه و سلّم )- (حلية الأولياء ١/ ٣١٠).
و روت عائشة رضي اللّه عنها: «ما كان أحد يتبع آثار النبي ( صلّى اللّه عليه و سلّم ) في منازله كما كان يتبعه ابن عمر» (الطبقات ٤/ ١٤٥).
و ينقل نافع وصفا لحال ابن عمر و هو يتبع آثار النبي ( صلّى اللّه عليه و سلّم ) فيقول: «لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتبع أثر النبي، لقلت: هذا مجنون». و عن عاصم الأحول عمن حدثه قال:
كان ابن عمر رضي اللّه عنه إذا رآه أحد ظنّ أن به شيئا من تتبعه آثار النبي ( صلّى اللّه عليه و سلّم ). (حلية الأولياء ١/ ٣١٠).