المعالم الأثيرة في السنة و السيرة - حميد الله، محمد - الصفحة ٦٣ - تمهيد في صفة المسجد الأقصى
بعضها بعضا، أن آدم (عليه السلام) هو الذي بنى الكعبة، أو بنته الملائكة قبله في بعض الروايات، فإن المسجد الأقصى أيضا يكون من زمن آدم، أو قبله، لأن الحديث الصحيح ينصّ على أن بينهما أربعين سنة.
و قد جاء في الآثار التي رواها أهل الثقة و أهل الدراية بعلم الأخبار، أن أول من أسّس المسجد الأقصى آدم (عليه السلام)، و قيل:
الملائكة، و قيل: سام بن نوح. و قد روى ابن حجر العسقلاني عن ابن هشام، قال:
إن آدم لمّا بنى الكعبة أمره اللّه بالسير إلى بيت المقدس، و أن يبنيه، فبناه، و نسك فيه.
* قال مجير الدين الحنبلي: و الحديث الشريف المتقدم (حديث أبي ذر)، و الأقوال و الأحاديث التي تقول إنّ داود أو سليمان بنيا المسجد الأقصى: تدل على أن بناء داوود و سليمان- المسجد الأقصى، إنما كان على أساس قديم، لا أنهما المؤسسان له، بل هما مجدّدان، و كل قول من الأقوال الواردة في بناء المسجد الأقصى لا ينافي الآخر، فإنه يحتمل أن يكون بناه الملائكة أولا، ثم جدده آدم (عليه السلام)، ثم سام بن نوح، ثم داود و سليمان (عليهما السلام)، فإن كل نبيّ منهم بينه و بين الآخر مدة تحتمل أن يجدّد فيها البناء المتقدم قبله.
و القول: بأن «ملكي صادق، ملك اليبوسيين الكنعانيين، قد جدد عمرانه، قول قوي و هو الذي اختط مدينة بيت المقدس و بناها، و كان ملكا عليها، فلا يبعد أن يكون أسس المسجد حين بنائه المدينة، و لكن يحمل على تجديده البناء القديم، لا تأسيسه.
و مما يدل على وجود المسجد الأقصى قبل إبراهيم (عليه السلام)، ما يروى أن (ملكي صادق) ملك اليبوسيين العرب، نزل بأرض بيت المقدس، و قطن بكهف من جبالها، يتعبّد فيه، و اشتهر أمره حتى بلغ ملوك الأرض الذين هم بالقرب منه، فحضروا إليه و سمعوا كلامه فأحبوه و دفعوا إليه مالا لبناء مدينة القدس، فلما عمرها سمّاها «بيت السلام»، و قد اتّخذ بقعة الحرم الشريف معبدا له، فكان يقدم ذبائحه على موضع الصخرة المشرفة، و قد التقى سيدنا إبراهيم عند قدومه إلى فلسطين، و احتفل به لانتصاره على أعدائه .. و بذلك تكون له الأسبقية في الدعوة إلى التوحيد- في فلسطين- و يكون الكنعانيون أقدم من عرفنا من الأمم التي قدست بقعة الحرم الشريف، و يدلك على قدم البركة الدينية في فلسطين أن اللّه نجّى إبراهيم و لوطا إلى الأرض المباركة، فتكون هجرتهما إليها بسبب بركتها التي كانت تحلّ فيها منذ القدم، لأن اللّه وضع فيها المسجد الأقصى منذ بدء الخليقة، كما مرّ سابقا.
* و بهذا نعرف أن المسلمين، أهل