المعالم الأثيرة في السنة و السيرة - حميد الله، محمد - الصفحة ٦٠ - تمهيد في صفة المسجد الأقصى
أو كان معروفا قبل الإسراء، لأن وجود المسجد لم يكن مقرونا بالإسراء، و إنما جاء الإسراء و المسجد موجود أو موجود مكانه و معروف لدى الناس المخاطبين، و أخبرنا اللّه أنه «بارك حوله» في الزمن القديم السابق على نبوة محمد ( صلّى اللّه عليه و سلّم ) [١]، و قد أسرى اللّه بنبيّه إلى المسجد الأقصى الذي يعرفه العرب في الجاهلية، و الدليل على معرفة العرب له أنهم لم يسألوا عنه، ليستوضحوا مكانه، و ماهيته، فهم إذن يعرفونه و يعرفون مكانه، و يعرفون أيضا قدسيته، و لذلك وردت الأحاديث الشريفة الصحيحة التي تعلي منزلته و تحث على الصلاة فيه و الارتحال إليه، و المعروف أن الأحاديث كلّها، قبل فتح الشام من ذلك، غير أحاديث الإسراء و المعراج. قوله (عليه السلام): «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، و مسجد الحرام، و مسجد الأقصى». و في رواية للبخاري «مسجد الحرام، و مسجد الأقصى، و مسجدي». فجعل المسجد الحرام أولا، و مسجد الأقصى ثانيا، و مسجد المدينة ثالثا. و الترتيب يدل على المنزلة.
و في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، عن ذي الأصابع، قال: قلت يا رسول اللّه، إن ابتلينا بعدك بالبقاء، أين تأمرنا؟ قال: «عليك ببيت المقدس، فلعلّه أن ينشأ لك ذرية يغدون إلى ذلك المسجد و يروحون».
* و السؤال الذي يحتاج إلى الإجابة عنه:
من بنى بيت المقدس، أو مسجد بيت المقدس: هل بناه عبد الملك بن مروان، أو ابنه الوليد (خليفتا بني أمية)؟ أو بناه داود و ابنه سليمان (عليهما السلام)؟
الجواب: لم يكن أول من بناه داود و سليمان (عليهما السلام)، و لا عبد الملك و ابنه الوليد، فهو أقدم من هؤلاء و هؤلاء، و دليلنا على هذا الحديث الصحيح الذي رواه البخاري، و مسلم، و الإمام أحمد، عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه، قال: «قلت يا رسول اللّه، أيّ المساجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام، قال: قلت:
ثم أيّ؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم كان بينهما، قال: أربعون سنة» [٢].
[١] لأنّ اللّه تعالى أخبرنا أنه نجّى إبراهيم (عليه السلام)، إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين، و نجاة سيدنا إبراهيم سابقة على إسراء محمد ( صلّى اللّه عليه و سلّم )، و معنى هذا أن البركة كانت حاصلة منذ خلق اللّه أرض فلسطين، و وضع فيها أسباب البركة.
[٢] فوائد لغوية: قوله: «أول» بمعنى «قبل» و هي ظرف زمان، و يجوز البناء على الضم، لقطعه.