الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٣١٦
ابني لم يكن يغرقه إلا شيطان من شياطين هذه الدنيا.
قال: ثم دعا أصحاب مصعب بن الزبير بالغواصين، فغاصوا في الفرات حتى أخرجوا عبيد الله بن الحر من الماء، فاحتزوا رأسه وصلبوه على شاطئ الفرات، ثم بعثوا برأسه إلى أمير الكوفة الحارث بن عبد الله [١] بن أبي ربيعة، فوجه الحارث بالرأس إلى مصعب بن الزبير بالبصرة، ووجه مصعب بالرأس إلى أخيه عبد الله بن الزبير.
قال: وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان فجزع عليه جزعا شديدا، ثم قال: لله درك يا ابن الحر! قد كنت فارس حرب، وكاشف كرب وفارس همة، وسداد ثغر، فلأسعدنك الله حيا وميتا، فلعمري لقد بلوك فما وجدوك خوارا ولا فرارا، لكنهم ألفوك كرارا نفاعا ضرارا، وبالله يحلف عبد الملك ليأخذن بثأرك وثأر غيرك إن شاء الله ولا قوة إلّا بالله. قال: فأنشأ أنس بن معاوية البكري يقول أبياتا مطلعها:
يا عين ابكي عبيد الله ما طلعت ... شمس النهار واذري الدمع تسكابا
إلى آخرها.
ثم رجعنا إلى أخبار محمد ابن الحنفية رضي الله عنه وعبد الله ابن الزبير وما كان بينهم من خلاف أحدهم على صاحبه
قال: ونظر عبد الله بن الزبير أنه قد صفت له العراقان جميعا والبصرة والكوفة بقتل المختار بن أبي عبيد وعبيد الله بن الحر، فأرسل إلى محمد ابن الحنفية بأخيه عروة بن الزبير أن هلم فبايع، فقد قتل الله الكذاب، وابن الحر المرتاب، والأمة قد استوسقت، والبلاد قد افتتحت، فادخل فيما دخل فيه الناس من أمر البيعة، وإلا فإننا منابذوك.
قال: فغضب محمد ابن الحنفية من ذلك، ثم أقبل على عروة بن الزبير فقال: بؤسا لأخيك ما ألجه في إسخاط الله، وأغفله من طاعة الله، أنا أبايع أخاك وعبد الملك بن مروان بالشام يرعد ويبرق؟ قال: ثم وثب رجل من أصحابه فقال:
[١] الأصل: عبيد الله.