الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٤٧٣
على بغلة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم دعا بالمصحف فأخذه بيده ثم قال [١] : أيها الناس! من يأخذ هذا المصحف فيدعو هؤلاء القوم إلى ما فيه؟ قال [٢] : فوثب غلام من مجاشع يقال له: مسلم، عليه قباء أبيض فقال: أنا آخذه يا أمير المؤمنين! فقال له عليّ:
يا فتى! إن يدك اليمنى تقطع، فتأخذه باليسرى، فتقطع ثم تضرب عليه بالسيف حتى تقتل؟ فقال الفتى: لا صبر لي على ذلك. قال: فنادى علي الثانية والمصحف في يده، فقام إليه ذلك الفتى وقال: أنا آخذه يا أمير المؤمنين! فهذا قليل في ذات الله.
ثم أخذ الفتى المصحف وانطلق به إليهم، فقال: يا هؤلاء! هذا كتاب الله عزّ وجلّ بيننا وبينكم، قال: فضرب رجل من أصحاب الجمل يده اليمنى فقطعها، فأخذ المصحف بشماله فقطعها، فاحتضن المصحف بصدره، فضرب على صدره حتى قتل- رحمه الله [٣]-.
قال: فنظرت إليه أمه وقد قتل، فأنشأت تقول أبياتا مطلعها:
يا رب إن مسلما أتاهم ... بمحكم التنزيل إذ دعاهم [٤]
إلى آخرها.
قال: وأنشأ ابن عم له يرثيه ويقول أبياتا مطلعها:
تناوله شقي منهم بضربة ... أبان بها يمناه حتى تصوب
إلى آخرها.
ذكر إذن عليّ حينئذ في القتال
ثم دفع علي رضي الله عنه رايته إلى ابنه محمد ابن الحنفية وقال: تقدم يا بني! فتقدم محمد ثم وقف بالراية لا يبرح، فصاح به علي رضي الله عنه: اقتحم لا أم لك! فحمل محمد الراية فطعن بها في أصحاب الجمل طعنا منكرا وعليّ ينظر،
[١] الخبر في الطبري ٥/ ٢٠٥ ومروج الذهب ٢/ ٣٩٩ باختلاف.
[٢] الطبري: فقام إليه فتى من أهل الكوفة. وعنده ٥/ ٢١٦: مسلم بن عبد الله.
[٣] زيد في الطبري: فقال علي: الآن حلّ قتالهم.
[٤] الأرجاز في الطبري ٥/ ٢٠٦ و ٥/ ٢١٦ ومروج الذهب ٢/ ٣٩٩ بزيادة واختلاف في بعض الألفاظ.