الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٢٩٣
صدقت يا أمير المؤمنين! ولكني أرى أن تكتب إلى أهل الشام فيقبلوا عليك من شامهم، وإلى أهل اليمن فيقبلوا إليك من يمنهم، ثم تسير بأهل الحرمين مكة والمدينة إلى أهل المصرين البصرة والكوفة، فتكون في جمع كثير وجيش كبير، فتلقى عدوك بالحد والحديد والخيل والجنود [١] .
قال فقال عمر: هذا أيضا رأي ليس يأخذ بالقلب، أريد غير هذا الرأي، قال: فسكت الناس والتفت عمر رضي الله عنه إلى علي رضي الله عنه فقال: يا أبا الحسن! لم لا تشير بشيء كما أشار غيرك؟ [٢] .
ذكر مشورة علي بن أبي طالب رضوان الله عليه
قال: فقال علي [٣] : يا أمير المؤمنين! إنك قد علمت أن الله تبارك وتعالى بعث نبيه محمدا صلّى الله عليه وسلّم وليس معه ثان ولا له في الأرض من ناصر ولا له من عدوه مانع، ثم لطف تبارك وتعالى بحوله وقوته وطوله فجعل له أعوانا أعز بهم دينه، وشد أزره، وشيد بهم أمره، وقصم بهم كل جبار عنيد وشيطان مريد، وأرى موازريه وناصريه من الفتوح والظهور على الأعداء ما دام به سرورهم وقرّت به أعينهم، وقد تكفل الله تبارك وتعالى لأهل هذا الدين بالنصر والظفر والإعزاز والذي نصرهم مع نبيهم وهم قليلون هو الذي ينصرهم اليوم إذ هم كثيرون، وبعد فإنك أفضل أصحابك رأيا وأيمنهم نقيبة، وقد حملك الله عزّ وجلّ أمر رعيتك فهو الذي يوفقك للصواب ودين الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ٩: ٣٣، فأبشر بنصر الله عزّ وجلّ الذي وعدك، وكن على ثقة من ربك فإنه لا يخلف الميعاد، وبعد فقد رأيت قوما أشاروا عليك بمشورة بعد مشورة فلم تقبل ذلك منهم ولم يأخذ بقلبك شيء مما أشاروا به عليك، لأن كل مشير إنما يشير بما يدركه عقله، وأعلمك يا أمير المؤمنين إن كتبت
[١] زيد عند الطبري: ... إن هذا اليوم له ما بعده من الأيام فاشهده برأيك وأعوانك ولا تغب عنه.
[٢] عند الطبري ٤/ ٢٣٧ فقام عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف في رجال من أهل الرأي من أصحاب رسول الله (ص) فتكلموا كلاما فقالوا لا نرى ذلك (وكان عمر قد عرض عليهم أن يسير من المدينة وينزل منزلا وسطا بين المصرين ويستنفر من هناك الناس إلى فارس) . الطبري ٤/ ٢٣٧ وفتوح البلدان ص ٣٠٠ ولكن لا يغيبن عنهم رأيك وأثرك ... وإنما استأذنوك ولم يستصرخوك فأذن لهم واندب إليهم ... وكان الذي ينتقد له الرأي إذا عرض عليه العباس رضي الله عنه.
[٣] الطبري ٤/ ٢٣٨ ابن الأثير ٢/ ١٨١.