الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٣٠١
فأميركم بعدي حذيفة بن اليمان، فإن أصيب فجرير بن عبد الله البجلي، فإن أصيب فالأشعث بن قيس الكندي، فإن أصيب فالمغيرة بن شعبة الثقفي [١] ، ثم رفع النعمان رأسه إلى السماء فقال: اللهم انصر ابن مقرن وارزقه الشهادة! إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ٣: ٢٦ قال: فناداه رجل من أصحابه فقال: أيها الأمير! إنك قد أمرتنا بأمر ونحن قابلوه منك، ولكن متى تأمرنا بالحملة على هؤلاء القوم في أول النهار أم في آخره؟
فقال: لا بل في آخره إذا زالت الشمس عن كبد السماء وهبت الرياح وحضرت مواقيت الصلاة [٢] ، وعسى أن يوافق دعاؤنا دعاء أهل المدينة، فعند ذلك نرجو النصر من السماء، ولا سيما هذا يوم الجمعة وهو يوم يستجاب فيه الدعاء.
قال: فبينا النعمان بن مقرن يكلم أصحابه بهذا الكلام ويوصيهم إذا هو بعساكر الفرس قد أقبلت يتلو بعضها بعضا على البراذين البخارية وقد زينت بالسروج المدبّجة والمراشح [٣] المشعرة، والفرس في أيديها الرايات المعلمة والأعمدة المذهبة والطبرزينات المحزقة وعليهم أقبية الحرير وصدر الديباج، والفيلة عن أيمانهم وشمائلهم قد شهروها بأنواع الزينة، قال: فنظر المسلمون إلى جمع عظيم وعدة قوية فكأنهم جزعوا لذلك وخافوا أن يفشلوا، قال: فصاح رجل: يا أهل الإسلام! ألا ما أشبه هذا اليوم إلا يوم الجسر الذي قتل فيه أبو عبيدة بن مسعود الثقفي وأصحابه، قال: ثم استعبر باكيا، قال فقال عبد الله بن ... [٤] لقد أذكرتني يوم الجسر فأين أنت عن قول أبي محجن الثقفي.
قال: فصاح عمرو بن معديكرب من القلب وقال: يا معشر المسلمين! ذرونا من مناشدة الأشعار وارغبوا في مجاورة الملك الجبار وعليكم بالنظر إلى راية أميركم،
[١] بالأصل، انظر الطبري ٤/ ٢٣٢ ابن الأثير ٢/ ١٨٣ البداية والنهاية ٧/ ١٢٣ فتوح البلدان ص ٣٠٠.
[٢] وهي أحب الساعات كانت إلى رسول الله (ص) أن يلقى العدو فيها (ابن الأثير ٢/ ١٨٣، وقد مرت رواية أبي داود والترمذي في ذلك) .
وجاءت شكاية الناس إلى النعمان بعد ما أقبل المشركون على المسلمين يرمونهم حتى أفشوا بينهم الجراح رغم استتار المسلمين بالحجف.
[٣] المراشح جمع مرشحة وهي البطانة التي تحت لبد السرج، سميت بذلك لأنها تنشف الرشح، يعني العرق.
[٤] كذا بياض بالأصل.