الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٣٢٩
ثم ترد على فقرائهم ومساكينهم.
قال: ثم أقبل عمر رضي الله عنه على ولده عبد الله فقال: يا بني حط رأسي عن الوسادة وضعه على الأرض فعسى الله عزّ وجلّ أن يرحمني، ثم قال: يا بني! لو أنك رأيت غدا أباك يقاد إلى النار أما تفديه؟ فقال عبد الله: بلى بجميع ما ملكت من طارف وتالد، قال: يا بني! فأد ما عليّ من الدين [١] وانظر أن تبيع في ذلك جميع مالك، فإن لم يف بما عليّ فاسأل في بني عدي بن كعب، فإن لم يف بما عليّ فاسأل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم، واجعل ذلك في بيت المال فإن سألك الخليفة من بعدي أن لا تأتيه بذلك المال فلا تفعل، فإن وهبه لك فلا تقبل واذهب به حتى تضعه في بيت المال كما أخذته منه.
ثم قال: يا بني! صر إلى عائشة فسلها أن تأذن لي أن أدفن مع حبيبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم وخليفته أبي بكر، فإذا أذنت في ذلك فادفنوني وإلا فادفنوني في مقابر المسلمين [٢] . قال: فأقبل عبد الله بن عمر إلى عائشة رضي الله عنها فاستأذنها في ذلك، فقالت عائشة رضي الله عنها: ارجع إلى أمير المؤمنين فأقرئه مني السلام وقل له قد علمت أنه بيتي الذي توفي فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبي إلى جنبه وقد كنت ذخرت ذلك لنفسي وقد آثرتك به يا أمير المؤمنين، فقال عمر: الحمد لله ما كان عندي شيء أهم من ذلك فإذا أنا مت فأت بي إلى باب عائشة، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب، ولا تقل أمير المؤمنين، فإن أذنت وإلا ردوا بي إلى مقابر المسلمين [٢] .
قال: ثم توفي عمر رحمة الله عليه يوم الأربعاء بالعشي ليلة الخميس لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة النبوية وهو يومئذ ابن ثلاث وستين سنة [٣]- والله أعلم وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم-.
[١] عند ابن سعد ٣/ ٣٥٨ كان عمر بن الخطاب قد استسلف ثمانين ألفا من بيت المال. قال: وما مضت جمعة بعد أن دفن عمر حتى حمل ابن عمر المال إلى عثمان بن عفان وأحضر الشهود على البراءة بدفع المال.
[٢] في طبقات ابن سعد ٣/ ٣٦٣ بالبقيع.
[٣] في يوم وفاته ومدة خلافته ومقدار عمره انظر الطبري ٥/ ١٤ تاريخ خليفة ص ١٥٢ ابن الأثير ٢/ ٢١١ البداية والنهاية ٧/ ١٥٥ المعارف لابن قتيبة ص ٧٩ مروج الذهب ٢/ ٣٣٣ تاريخ اليعقوبي ٢/ ١٥٩ طبقات ابن سعد ٣/ ٣٦٥.