الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٥٥٤
وجل لما رأيت، فقال له الحارث: كلا يا أمير المؤمنين! لا يكون إلا خيرا، فقال له علي رضي الله عنه: هيهات يا حارث! سبقت كلمة الله ونفذ قضاؤه، وقد أخبرني حبيبي محمد صلّى الله عليه وسلّم أن ابني يقتله يزيد- زاده الله في النار عذابا-.
قال زهير بن الأرقم: فلما أصيب عليّ رضي الله عنه بضربة ابن ملجم دخلت عليه وقد ضم الحسين رحمة الله ورضوانه عليه إلى صدره وهو يقبله ويقول له: يا ثمرتي وريحانتي وثمرة نبي الله وصفيه وذخيرة خير العالمين محمد بن عبد الله! كأني أراك وقد ذبحت عن قليل ذبحا، قال: فقلت: ومن يذبحه يا أمير المؤمنين؟ فقال:
يذبحه لعين هذه الأمة، ثم لا يتوب الله عليه ويقبضه، إذا قبضه وهو ملآن من الخمر سكران، قال زهير: فبكيت، فقال لي علي: لا تبك يا زهير! فالذي قضي كائن.
ثم رجعنا إلى الخبر
قال: ثم سار حتى أتى ساباط المدائن، فإذا هو بالدهاقين وقد أقبلوا إليه يعرضون عليه النزول، فأبى ذلك وقال: ليس لنا عليكم نزول.
ثم سار حتى أشرف على بنيان كسرى، فإذا برجل من أصحابه يقال له جرير [١] بن سهم بن طريف [٢] التميمي قد وقف فنظر إلى آثار كسرى وهو يتمثل بهذا البيت:
سفت الرياح على محل ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد [٣]
فقال له علي رضي الله عنه: ويحك! فلو قلت كَمْ تَرَكُوا من جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ ٤٤: ٢٥- ٢٨
[١] وقعة صفين ص ١٤٢: حر.
[٢] عن وقعة صفين وبالأصل: طراف. وفيه أنه: من بني ربيعة بن مالك (بن زيد مناة بن تميم) .
[٣] البيت في وقعة صفين ص ١٤٢ والمفضليات ٢/ ١٥ من قصيدة لابن يعفر (الأسود بن يعفر بن عبد الأسود بن جندل التميمي) وفي وقعة صفين:
جرت الرياح على مكان ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد