الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٥٠٦
الطاعة ويكون أميرا من أمرائك وعاملا من عمّالك ما عمل بطاعة الله واتبع ما في كتاب الله، وأدعو أهل الشام إلى طاعتك وولايتك فإنّ جلّهم قومي وعشائري وأهل بلادي، وأرجو أن لا يعصيني هو ولا أحد من الشام. قال: فقال له الأشتر: يا أمير المؤمنين! لا تبعثه إليهم فإن هواه هواهم ورأيه رأيهم، فقال عليّ: يا مالك! دعه حتى ننظر ما يرجع إلينا به من الخبر.
قال: ثم أقبل عليه عليّ فقال: يا جرير! إنّ معي من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم من البدريين والعقبيين من أهل الدين والرأي من قد علمت، وقد اخترتك عليهم لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيك: «إنك خير ذي يمن [١] ، فسر إلى معاوية بكتابي واعذر إليه وأعلمه أني لا أرضى به أميرا والعامة لا ترضى به خليفة» ، فقال جرير: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين إن شاء الله ولا قوة إلا بالله [٢] .
ذكر كتاب عليّ رضي الله عنه إلى معاوية
قال: ثم كتب علي رضي الله عنه [٣] : بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر، أما بعد! يا معاوية! فقد علمت أن الشورى للمهاجرين والأنصار دون غيرهم، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان لله عزّ وجلّ رضا، فإن خرج من أمرهم خارج [٤] ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وقد علمت بما كان بالبصرة مما لا يخفى عليك، فجاهدتهم حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون، وبعد فإني أراك قد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه المسلمون من بيعتي، ثم حاكم القوم إليّ أحملهم وإياك على كتاب الله عزّ وجلّ وسنة نبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم، وأما التي تريدها فإنها خدعة الصبي عن اللبن، ولعمري لئن نظرت بعقلك لعلمت أني أبرأ الناس من دم عثمان! وقد علمت أنك من أبناء الطلقاء [٥] الذين لا تحل لهم الخلافة، وقد
[١] أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٣٦٠- ٣٦٤ والطبراني برجال ثقات، والبيهقي في الدلائل ٥/ ٣٤٦
[٢] أرسله بعد مشاورة أصحابه ورغم معارضة الأشتر النخعي لهذا الاختيار.
[٣] مرت الإشارة للكتاب، وقارن أيضا مع الأخبار الطوال ص ١٥٧ العقد الفريد ٤/ ٣٢٢ مروج الذهب ٢/ ٤١٢ ونهج البلاغة. الإمامة والسياسة (١/ ١١٣ من تحقيقنا) .
[٤] زيد في النهج: بطعن أو بدعة.
[٥] الطلقاء جمع طليق، وهو الأسير الذي أطلق عند إساره وخلي سبيله ويراد بهم الذين خلى عنهم