بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٢ - بسم اللّه الرحمن الرحيم
شيء آثرتموه وعملتم له من الدنيا ليس بخَلَف ممّا زيّن اللّه به العلماء من عباده الحافظين لرعاية ما استرعاهم واستحفظهم من أمره ونهيه ، ذلك بأنّ العاقبة للمتقين ، والحسرة والندامة والويل الدائم للجائرين الفاجرين.
[ الاعتبار من الأمم السابقة ]
فتفكّروا عباد اللّه واعتبروا ، وانظروا وتدبّروا وازدجروا بما وعظ اللّه به هذه الأمّة من سوء ثنائه على الأحبار والرهبان.
إذ يقول : « لَوْلأ يَنْهَاهُمُ الرَبّانِيُّونَ والأحبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الاِثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ » [١].
وإنّما عاب ذلك عليهم بأنّهم كانوا يشاهدون الظلمة الذين كانوا بين ظهرانيهم يأمرون بالمنكر ، ويعملون الفساد فلا ينهونهم عن ذلك ، ويرون حقّ اللّه مضيعاً ، ومال اللّه دُولة يوَكل بينهم ظلماً ودولة بين الأغنياء ، فلا يمنعون من ذلك رغبة فيما عندهم من العَرَض الآفل ، والمنزل الزائل ، ومداهنة [٢] منهم على أنفسهم.
وقد قال اللّه عزّ وجلّ لكم : « يَا أيُّـها الّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبَانِ لَيَأكُلُونَ أموالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَهَبَ وَالفِضَّةَ وَلايُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّـرْهُمْ بِعَذَابٍ ألِيمٍ » [٣] كيما تحذروا.
وإذا رأيتم العالم بهذه الحالة والمنزلة فأنزلوه منزلة من عاث في أموال الناس بالمصانعة [٤] ، والمداهنة ، والمضارعة [٥] لظلمة أهل زمانهم ، وأكابر قومهم ، فلم
[١] المائدة : ٦٣.
[٢] المداهنة : المداراة والملاينة ، وداهن على نفسه أبقى عليها.
[٣] التوبة : ٣٤.
[٤] المصانعة : الرشوة والمداراة.
[٥] المضارعة : التقرب والمقارنة.