بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠٨ - ثورة زيد بن علي بن الحسين
نوطاً ، فإنّها كانت أثَرة شُحَّت عليها نفوس قومٍ ، وسخت عنها نفوس آخرين ، والحكم للّه والمعود [١] إليه يوم القيامة.
|
ودع عنك نهباً صيح في حجراته |
|
ولكن حديثاً ما حديث الرواحل |
وهلمّ الخطب في ابن أبي سفيان ، فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه ، ولا غرو واللّه ، فياله خطباً يستفرغ العجب ، ويكثر الأود.
حاول القوم إطفاء نور اللّه من مصباحه ، وسد فوّاره من ينبوعه ، وجدحوا بيني وبينهم شرباً وبيئاً ، فإن ترتفع عنّا وعنهم محن البلوي ، أحملهم من الحقّ على محضه ، وإن تكن الأخرى ، « فَلأ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُون » [٢] [٣].
ترى أنّ الاِمام أوجز في الجواب وعطف نظر السائل إلى خطورة الموقف ولزوم الحرب مع ابن أبي سفيان ، قال ابن أبي الحديد : ولو أخذ الاِمام يصرح له بالنص ويعرفه تفاصيل باطن الأمر ، لنفر عنه ، واتّهمه ولم يقبل قوله ولم ينجذب إلى تصديقه ، فكان أولى الأمور في حكم السياسية وتدبير الناس أن يجيب بما لا نفرة منه ولا مطعن عليه فيه [٤].
وأين هو من الجواب المبسوط الذي أتى به زيد بن علي كأنّه يريد أن يدرس العقائد في ساحة الحرب. ونحن نجل قائدنا المحنك من الكلام الخارج عن طور البلاغة.
[١] المعود ـ بسكون العين وفتح الواو ـ كذا ضبطت في اللسان. وفي النهاية لابن الأثير : هكذا جاء « المعود » على الأصل ، وهو « مفعل » من عاد يعود ، ومن حقّ أمثاله أن تقلب واوه ألفاً ، كالمقام والمراح ، ولكنه استعمله على الأصل.
[٢] فاطر : ٨.
[٣] نهج البلاغة : الخطبة ١٦٣.
[٤] ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة : ٩ / ٢٥١ ، الخطبة : ١٦٣.