بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٩ - كلام الله غير مخلوق أو قديم
سبحانه ، فلو كان كلامه سبحانه غير ذاته فكيف يمكن أن يتصف بكونه غير مخلوق ، أو كونه قديماً. ولو فرضنا صحّة تلك العقيدة التي لا ينالها إلاّ الأوحدي في علم الكلام ، فكيف يمكن أن تكون هذه المسألة الغامضة ممّا يجب الاعتقاد به على كلّ مسلم ، مع أنّ الإنسان البسيط بل الفاضل لا يقدر أن يحلل ويدرك كون شيء غير الله سبحانه ، وفي الوقت نفسه غير مخلوق.
إنّ سهولة العقيدة ويسر التكليف من سمات الشريعة الإسلامية وبهما تفارق سائر المذاهب السائدة على العالم ، مع أنّ تصديق كون كلامه تعالى ـ وهو غير ذات هـ غير مخلوق أو قديم ، شيء يعسر فهمه على الخاصة ، فكيف على العامة.
٣ ـ إنّ الظاهر من أهل الحديث هو قدم القرآن المقروء ، الأمر الذي تنكره البداهة والعقل ونفس القرآن. وقد صارت تلك العقيدة بمنزلة من البطلان حتى تحامل عليها الشيخ محمد عبده إذ قال : « والقائل بقدم القرآن المقروء أشنع حالاً وأضلّ اعتقاداً عن كلّ ملّة جاء القرآن نفسه بتضليلها والدعوة إلى مخالفتها ». [١]
ولمّا رأى ابن تيمية الذي يظن نفسه مروّجاً لعقيدة أهل الحديث ، أنّها عقيدة تافهة ، صرح بحدوث القرآن المقروء وحدوث قوله تعالى : (يا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ) و ( يا أَيُّهَا المُدَّثِّر )وقوله :( قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الّتي تُجادِلُكَ في زَوْجِها...) إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على حدوث النداء والسمع من حينه لا من الأزل. [٢]
والعجب أنّه استدلّ بدليل المعتزلة على حدوث القرآن المقروء ، وقال : إنّ ترتيب حروف الكلمات الجمل يستلزم الحدوث آنَ تحقُّقِ كلمة « بسم الله » ، يتوقف على حدوث الباء وانعدامها ، ثمّ حدوث السين كذلك إلى آخر
[١] رسالة التوحيد ، الطبعة الأُولى وقد حذف نحو صفحة من الرسالة في الطبعات اللاحقة لاحظ : ص ٤٩ من طبعة مكتبة الثقافة العربية.
[٢] مجموعة الرسائل الكبرى : ٣/٩٧.