بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٨ - رؤية الله بالأبصار
المعلّق عليه وجود الاستقرار وبقاؤه بعد تجلّي الرب سبحانه ، ولم يكن هذا واقعاً.
وباختصار ، إنّ إمكان الرؤية ، علّق على وجود الاستقرار وتحقّقه بعد التجلّي ، وهو حسب الفرض لم يقع. وينتج أنّ الرؤية ليست أمراً ممكناً.
الآية الثالثة
قوله سبحانه : (إِذا تُتْلى عَليهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الأَوّلينَ* كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ* كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذ لَمَحْجُوبونَ* ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الجَحيم). [١]
قال الرازي : « احتج أصحابنا بقوله سبحانه : كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَومَئِذ لَمَحْجُوبُونعلى أنّ المؤمنين يرون سبحانه وتعالى. قال : ولولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة ، ثمّ قال : وفيه تقرير آخر ، وهو أنّه تعالى ذكر هذا الحجاب في معرض التهديد والوعيد للكفّار ، وما يكون وعيداً وتهديداً للكفّار لا يجوز حصوله في حقّ المؤمن ». [٢]
والاستدلال مبني على أنّ المراد هو كون الكفّار محجوبين عن رؤيته سبحانه مع أنّ المناسب لظاهر الآية كونهم محجوبين عن رحمة ربّهم بسبب الذنوب التي اقترفوها ، وبأي دليل حملها الرازي على الحرمان من الرؤية؟
على أنّ المعرفة التامة به تعالى ، التي هي فوق الرؤية الحسية بالأبصار الظاهرة ، تكون حاصلة لكلّ الناس يوم القيامة ، إذ عندئذ ترتفع الحجب المتوسطة بينه تعالى وبين خلقه ، قال سبحانه : (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ المُبينُ). [٣]
وقال سبحانه : (لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَة مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ
ــــــــــــــــــ
[١] المطففين : ١٣ ـ ١٦.
[٢] مفاتيح الغيب : ٨/٣٥٤ ، ط مصر.
[٣] النور : ٢٥.