بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٨ - رأيه في الصفات الخبرية
أشرف المعاني وأجلّها ، لدى القوم ، إلى آيات غير مفهومة ولا معقولة.
والعجب أنّ أحد المصرّين على الإثبات بصورة النمط الأشعري يحسبه عقيدة سلفية ، ويقول في كتابه : إنّ صفات الله يجب أن تكون لدى المسلم بديهيات ذهنية تتغلغل في قلبه ، فيتحرر من أي ضغط خارجي ، لما لها من انعكاسات تربوية هامة على النفس البشرية ـ إلى أن قال ـ : إنّ الجهل بالله أمر خطير ، وضرره على المسلمين كبير ، لأنّ ذلك يؤدي إلى أن يكون عرضة للزلاّت ، وأن يكون قلبه مورداً للشبهات ومستقراً للأوهام. [١]
إنّ السمة التي يثبتها الكاتب لصفات الله ، هل هي موجودة في قولهم : إنّ لله يداً لا كالأيدي ، أو وجهاً لا كالوجوه ، أو أنّ هذا لا يزيد في صفاته تعالى إلاّ غموضاً وتعقيداً ، وتصبح العقيدة الإسلامية عند الواصف كالعقائد المتخذة من الكنائس التي يدّعي أصحابها أنّ الإيمان بها واجب ، وإن لم يعلم كنهها ، كما هو قولهم في التثليث ونظائره.
قال حنبل بن إسحاق : سألت أحمد بن حنبل : ألم ترو عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا؟ قال أحمد : نؤمن بها ونصدق ولا نرد شيئاً عنها إذا كانت الأسانيد صحاحاً ـ إلى أن قال ـ : قلت : أنزوله بعلمه أو بماذا؟ قال : اسكت عن هذا ، مالك ولهذا ، امض الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد. [٢]
إنّ سؤال ابن إسحاق أوضح دليل على أنّ الإثبات على النمط الذي يتبنّاه أهل الحديث لا يجعل العقيدة الإسلامية واضحة مفهومة ، بل يجعلها مجهولة معقّدة. ولكن يجب الإيمان بها مهما كانت غير مفهومة ولا معقولة ، ولا تَنْسَ ما رمى به ابن تيمية أهل التفويض بأنّهم اعتقدوا أنّهم بمنزلة الأُميين الذين قال الله فيهم ـ إلخ. ولا تنس أيضاً ما شن به ابن العربي على تلك الطائفة بقوله : إنّهم جعلوا نفوسهم في حكم نفوس لم تسمع ذلك الخطاب ، إنّهم قالوا : إنّ الله خاطبنا عبثاً بما لا نفهم.
[١] علاقة الإثبات والتفويض : ١٥.
[٢] شرح أُصول السنّة للألكائي كما في علاقة الإثبات والتفويض : ٩٨.