بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٤ - كلام الله غير مخلوق أو قديم
وإن قالوا : قديمة... ادّعى أنّ عيسى قديم. [١]
وعلى ذلك وجد من قال إنّ القرآن مخلوق ، ليرد كيد هؤلاء ، فقال ذلك الجعد بن درهم ، وقاله الجهم بن صفوان ، وقالته المعتزلة واعتنق ذلك الرأي المأمون.
وقد أعلن في سنة ٢١٢ ، أنّ المذهب الحقّ هو أنّ القرآن مخلوق ، وأخذ يدعو لذلك في مجلس مناظراته ، وأدلى في ذلك بما يراه حججاً قاطعة في هذا الموضوع ، وقد ترك المناقشة حرة ، والناس أحراراً فيما يقولون.
ولكن في سنة ٢١٨ وهي السنة التي توفي فيها ، بدا له أن يدعو الناس بقوة السلطان إلى اعتناق هذه الفكرة ، ومن الغريب أنّه ابتدأ بهذا وهو خارج بغداد ، وقد خرج مجاهداً فكتب هذه الكتب وهو بمدينة الرقة ، وأخذ يرسل الكتب لحمل الناس على اعتناق عقيدة أنّ القرآن مخلوق ، إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم ، وقد جاء في بعض كتبه : وأعلمهم أنّ أمير المؤمنين غير مستعين في عمله ، ولا واثق فيمن قلده واستحفظه من أُمور رعيته بمن لا يوثق بدينه ، وخلوص توحيده ويقينه ، فإذا أقروا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه وكانوا على سبيل الهدى والنجاة ، فمرهم بنصّ من يحضرهم من الشهود على الناس ومسألتهم عن علمهم في القرآن وترك شهادة من لم يقر بأنّه مخلوق محدث. [٢]
وقد سارع نائبه ببغداد إلى تنفيذ ما أمر به ، لكنّه تجاوز الحدّ السلبي إلى الحدّ الإيجابي فأحضر المحدثين والفقهاء فسألهم عن عقيدتهم حول القرآن ،
[١] « ولا شكّ أنّ ذلك تلبيس ، لأنّ معنى كلمة الله ، أنّ الله خلقه بكلمة منه ، كما نصّ على ذلك في آيات أُخرى ، لا أنّه هو ذات كلمة الله ». هذا ما أفاده أبو زهرة في تعليقته على كتابه. والحقّ أنّ المسيح كلمة الله نفسها ، وليس المسيح وحده كذلك ، بل الموجودات الإمكانية كلّها كلامه تعالى. قال سبحانه : ( وَلو أنّ ما فِي الأَرض مِنْ شَجَرة أَقلام وَالبَحر يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَة أَبْحُر ما نَفِدَتْ كَلمات الله)( لقمان : ٢٧ ).
[٢] تاريخ الطبري : ٧/١٩٦ ، والرسالة مبسوطة.