بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٢ - رأيه في الصفات الخبرية
الأعراض ، آكل وشارب لا كالإنسان والحيوان ، فلماذا يستحيون عن حشد هذه الأوصاف مع انّها تفيدهم في التنزيه ، « البلكفة » وتكرار بلا كيف ولا تشبيه بعد كلّ صفة خبرية.
وبعد هذا لا تتعجب ممّا ذكره الزمخشري في كشّافه عن هؤلاء القوم حيث يقول : ثمّ تعجب من المتسمّين بالإسلام ، المتسمّين بأهل السنّة والجماعة ، كيف اتّخذوا هذه العظيمة مذهباً ، ولا يغرّنك تسترهم بالبلكفة ( أي قولهم بلا كيف ) فإنّه من منصوبات أشياخهم ، والقول ما قال بعض العدلية فيهم :
|
قد شبّهوه بخلقه وتخوّفوا |
|
شنع الورى فتستّروا بالبلكفة [١] |
ثمّ إنّنا نرى أنّ هؤلاء مع تحرّزهم عن تأويل الآيات يؤوّلون الآيات التي لا تناسب التجسيم بل تضاده ، فما هو الهدف من هذا التأويل مع كونه على خلاف منهجهم ، وإليك الآيات التي يصر القوم على تأويلها وحملها على خلاف ظاهرها ، وما ذلك إلاّ بأنّ الأخذ بظاهرها لا يجتمع مع جلوسه سبحانه على العرش ، وكونه في تلك الجهة ، وكونه جسماً متحيزاً في مكان خاص.
١ ـ قوله سبحانه : (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ وَالله بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). [٢]
٢ ـ قوله سبحانه : (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثة إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَة إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَما كانُوا). [٣]
٣ ـ قوله سبحانه : (وَهُوَ الَّذي في السّماء إِلهٌ وَفي الأَرْضِ إِلهٌ ). [٤]
فلو لم يكن هدف القوم من الجمود على الظواهر هو التجسيم والجهة فما هو الداعي إلى تأويل هذه الآيات بأنّ المراد منها هو إحاطة علمه سبحانه بالناس ، لا إحاطة ذاته ووجوده ، أليس ذلك يدلّ على أنّ القوم يبطنون
[١] الكشاف : ١/٥٧٦.
[٢] الحديد : ٤.
[٣] المجادلة : ٧.
[٤] الزخرف : ٨٤.