صيانة الآثار الإسلاميّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥
فإذا كانت هذه نتيجةُ صيانتها; فإنّ نتيجة تدميرها وتخريبها أو عدم الاعتناء بها مسلَّماً عكس ذلك .
وممّا يؤسف له أنّنا نرى الأُمّة الإسلامية ابتُليت في هذا الأوان بأُناس جعلوا تدميرَ الآثار وهدمها جزءاً من الدين ، والاحتفاظ بها ابتعاداً عنه; فهذه عقليّتهم وهذا مبلغ إدراكهم الّذي لا يقلّ عن عقلية وإدراك الصبيان ، الّذين لا يعرفون قيمة التراث الواصل إليهم عن الآباء ، فيلعبون به بين الخرق والهدم وغير ذلك .
لا شكّ أنّ لهدم الآثار والمعالم التاريخية الإسلامية وخاصّة في مهد الإسلام; مكّة ، ومهجر النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، المدينة المنوّرة ، نتائج وآثاراً سيّئة على الأجيال اللاّحقة الّتي سوف لا تجد أثراً لوقائعها وحوادثها وأبطالها ومفكّريها ، وربّما يؤول بها الأمر إلى الاعتقاد بأنّ الإسلام قضيّة مفتعلة ، وفكرة مبتدعة ليس لها أيّ أساس واقعي تماماً .
فالمطلوب من المسلمين أن يُكوِّنوا لجنة من العلماء من ذوي الاختصاص; للمحافظة على الآثار الإسلامية وخاصّة آثار النبيّـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وآثار أهل بيته ، والعناية بها وصيانتها من الاندثار ، أو من عمليات الإزالة والمحو ، لما في هذه العناية والصيانة من تكريم لأمجاد الإسلام وحفظ لذكريات الإسلام في القلوب والعقول ، وإثبات لأصالة هذا الدين ، إلى جانب ما في أيدي المسلمين من تراث ثقافيّ وفكريّ عظيم ، وليس في هذا العمل أيُّ محذور شرعي ، بل هو أمر محبَّذ ، اتّفقت عليه كلمة المسلمين الأوائل كما سيوافيك ، فالسلف الصالح وقفوا ـ بعد فتح الشام ـ على قبور الأنبياء ذات البناء الشامخ . . فتركوها على حالها من دون أن يخطر ببال أحدهم وعلى رأسهم عمر بن الخطاب بأنّ البناء على القبور أمر محرّم يجب أنْ يُهدم ، وهكذا الحال في سائر القبور المشيّدة بالأبنية في أطراف العالم . وإنْ كنت في ريب من هذا فاقرأ تواريخَهم ، وعلى سبيل المثال إليك نصّ ما جاء في دائرة المعارف الإسلامية :
إنّ المسلمين عند فتحهم فلسطين وجدوا جماعة من قبيلة «لخم» النصرانيّة يقومون على حرم إبراهيم بـ «حِبْرون»[١] ولعلّهم استغلّوا ذلك ففرضوا أتاوة على حجّاج هذا الحرم . . . وربّما يكون لقب تميم الداري نسبة إلى الدار أي الحرم ، وربّما كان دخول هؤلاء اللخميين في الإسلام; لأنّه قد مكّنهم من القيام على حرم إبراهيم الّذي قدّسه المسلمون تقديسَ اليهود والنصارى من قبلهم[٢] .
[١] كلمة عبرية تعني : مدينة الخليل .
[٢] دائرة المعارف الإسلامية ٥ : ٤٨٤ مادة تميم الداري .