صيانة الآثار الإسلاميّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩ - الأصل في الأشياء الإباحة والحلّية
بِهِ)[١] .
إنّها تكشف عن أنّ ما يلزم بيانه إنّما هو المحرّمات لا المباحات ، ولذلك يستدلّ مبلغ الوحي ـ ونعني به النبيّ الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ـ بأنّه لا يجد فيما أُوحي إليه محرّماً على طاعم يطعمه سوى الأُمور المذكورة ، فإذا لم يكن هناك منها شيء فهو محكوم بالحلّية والإباحة .
٣ ـ قال سبحانه : (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا)[٢] .
٤ ـ قال سبحانه أيضاً : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ)[٣] .
إنّ دلالة هاتين الآيتين على المقام واضحة ، فإنّ جملة «وما كان» تارة تستعمل في نفي الشأن والصلاحية ، وأُخرى في نفي كون الشيء أمراً ممكناً .
أمّا الأوّل ، فمثل قوله : (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ
رَحِيمٌ)[٤] وغيرها كسورة آل عمران[٥] ، أي ليس من شأن الله سبحانه وهو العادل الرؤوف أن يضيع إيمانكم .
وأمّا الثاني ، فمثل قوله : (مَا كَانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَاباً مُؤَجَّلا)[٦] ، أي لا يمكن لنفس أن تموت بدون إذنه سبحانه .
فيكون معنى الآيتين بناءً على الاستعمال الأوّل : هو ليس من شأن الله تعالى أن يعذّب الناس أو يهلكهم قبل أن يبعث إليهم رسولا .
[١] الأنعام : ١٤٥ .
[٢] الإسراء : ١٥ .
[٣] القصص : ٥٩ .
[٤] البقرة : ١٤٣ .
[٥] الآيات ٧٩ و ١٦١ .
[٦] آل عمران : ١٤٥ .