صيانة الآثار الإسلاميّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠ - الرأي المسبق يضرب عرض الجدار
أفبعدَ اتّفاق أكابر المفسّرين هل يصحّ لباحث أن يشكّ في أنّ القائلين ببناء المسجد على قبورهم كانوا هم المسلمين الموحّدين؟!
الثاني : ما رواه الطبري في تفسير قوله : (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ)[١] قال : إنّ المبعوث دخل المدينة فجعل يمشي بين سوقها فيسمع أُناساً كثيراً يحلفون باسم عيسى بن مريم ، فزاده فزعاً ورأى أنّه حيران ، فقام مسنِداً ظهرَه إلى جدار من جُدران المدينة ويقول في نفسه : أمّا عشيّة أمس فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى بن مريم إلاّ قُتل ، أمّا الغداة فأسمعهم وكلّ إنسان يذكر أمر عيسى لا يخاف!! ثمّ قال في نفسه : لعلّ هذه ليست بالمدينة الّتي أعرف[٢] .
وهذا يعرب عن أنّ الأكثرية الساحقة كانت موحّدة مؤمنة متديّنة بشريعة المسيح ، رغم كونهم على ضدّه قبل ثلاثمائة سنة .
وقال في تفسير قوله تعالى : (فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً)[٣] فقال الّذين أعثرناهم على أصحاب الكهف : (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ) يقول : ربّ الفتية أعلم بشأنهم ، وقوله : (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) يقول جلّ ثناؤه : قال القوم الّذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف : (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) .
وقد نُقل عن عبد الله بن عبيد بن عمير : فقال المشركون : نبني عليهم بنياناً; فإنّهم أبناءُ آبائنا ونعبد الله فيها ، وقال المسلمون : نحن أحقّ بهم ، هم منّا ، نبني عليهم مسجداً نصلّي ونعبد الله فيه[٤] .
الرأي المسبق يضرب عرض الجدار
إنّ الشيخ الألباني ربيب الوهابيّة ومروّجها ، لمّا رأى دلالة الآية على أنّ المسلمين حاولوا أنْ يبنوا مسجداً على قبورهم ، وكان ذلك على طرف الخلاف من عقيدته ، حاول تحريف الكلم وقال :
[١] الكهف : ١٩ .
[٢] الطبري ، التفسير ١٥ : ٢١٩ في تفسير سورة الكهف ، الآية ١٩ ط . مصطفى الحلبي، مصر .
[٣] الكهف : ٢١ .
[٤] الطبري ، التفسير ١٥ : ٢٢٥ وفي ط أُخرى : ص١٤٩; ولاحظ تفسير القرطبي والكشاف للزمخشري وغرائب القرآن للنيسابوري في ذيل هذه الآية .