صيانة الآثار الإسلاميّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠ - الأصل في الأشياء الإباحة والحلّية
وعلى الاستعمال الثاني : هو ليس من الممكن أن يعذّب الله الناس أو يهلكهم قبل أن يبعث إليهم رسولا .
وعلى كلّ تقدير ، فدلالة الآيتين على الإباحة واضحة; إذ ليست لبعث الرسل خصوصية وموضوعية ، ولو أُنيط جواز العذاب ببعثهم فإنّما هو لأجل كونهم وسائط للبيان والإبلاغ ، والملاك هو عدم جواز التعذيب بلا بيان وإبلاغ ، وأنّ التعذيب بلا بيان وإبلاغ ليس من شأنه سبحانه ، أو أنّه ليس أمراً ممكناً حسب حكمته .
٥ ـ قال سبحانه : (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة إِلاَّ وَلَهَا مُنْذِرُونَ)[١] .
فإنّ هذه الآية مشعرة بأنّ الهلاك كان بعد الإنذار والتخويف ، وأنّ اشتراط الإنذار كناية عن البيان وإتمام الحجّة .
٦ ـ قوله سبحانه : (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَاب مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى)[٢] .
فإنّ هذه الآية تدلّ على أنّ التعذيب قبل بعث الرسول مردود بحجّة المعذّبين وهي قولهم : (لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ) ، فلا يصحّ التعذيب إلاّ بعد إتمام الحجّة عليهم ببعث الرسل .
وهذا يعني أنّ الأشياء مباحة جائزة الارتكاب خالية عن العقوبة أصلا ، إلاّ إذا ردع عنها الشارع بشكل من الأشكال الّتي منها إرسال الأنبياء .
٧ ـ قوله سبحانه : (يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَة مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِير وَلاَ نَذِير فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِير)[٣] .
فإنّ ظاهر قوله : (مَا جاءَنَا مِنْ بَشِير وَلاَ نَذِير) أنّه حجّة تامّة صحيحة ، ويحتجّ به على
[١] الشعراء : ٢٠٨
[٢] طه : ١٣٤ .
[٣] المائدة : ١٩ .f