صيانة الآثار الإسلاميّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣ - تقرير القرآن على صحّة كلا الاقتراحين
أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك نبيّ الرحمة ، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتُقضى[١] .
وقد اتّفقوا على صحّة الحديث ، حتّى أنّ ابن تيمية ـ مُثيرَ هذه الشكوك ـ
اعترف بصحّته وقال : وقد روى الترمذي حديثاً صحيحاً عن النبيّ أنّه علّم رجلا يدعو فيقول : . . . ، وقد أوردنا نصوص القوم في بحث «التوسّل»[٢] .
ومن زعم أنّ هذه التوسّلات أساس الشرك ، فلينظر إلى المسلمين طيلة أربعة عشر قرناً; فإنّهم ما برحوا يتوسّلون بالنبيّـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وما عدلوا عن سبيل التوحيد قيد شعرة .
إنّ إنشاء البناء على قبر نبيّ التوحيد تأكيدٌ على مبدأ التوحيد ورسالته العالمية الّتي يشكّل أصلها الأوّل قوله سبحانه : (أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)[٣] .
وقد خرجنا عن هذه الدراسة بالنتيجتين التاليتين :
١ ـ جواز البناء على قبور الأولياء والصالحين ودعاة التوحيد فضلا عن النبيّ ، وما ذلك إلاّ أنّ القرآن ذكر ذلك من دون أن يغمض فيه ، وليس القرآن كتاباً قصصيّاً ولا مسرحيّاً للتمثيل ، بل هو كتاب هداية ونور ، فإن نقل شيئاً ولم يغمض عليه فهو دليل على أنّه محمود عنده .
نرى أنّه سبحانه يحكي كيفيّة غرق فرعون ويقول : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)[٤] .
ولمّا كانت تلك الفكرة باطلة عنده سبحانه ، أراد إيقاف المؤمنين على أنّ الإيمان في هذا الظرف غير مفيد ، فلأجل ذلك عقّب عليه بقوله : (ءالاْنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)[٥] .
[١] الترمذي ، الصحيح ٥ : كتاب الدعوات ، الباب ١١٩ / ح ٢٥٧٨; ابن ماجة ، السنن ١ : ٤٤١ / ح١٣٨٥; الإمام أحمد ، المسند ٤ : ١٣٨ ، إلى غير ذلك من المصادر .
[٢] راجع ص ٦١١ من هذا الكتاب .
[٣] النحل : ٣٦ .
[٤] يونس : ٩٠ .
[٥] يونس : ٩١ .