نيل الوطر من قاعدة لا ضرر - السبحاني، سعيد؛ تقرير بحث الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ٩١ - التنبيه الأوّل شمول النفي لعامّة الأحكام
واجباً أم مباحاً، وذلك لتوسط إرادة المكلّف بين الحكم والفعل في كلا القسمين، وليس الإيجاب الشرعي سالباً للاختيار، بل المكلّف بعد إيجابه باق على اختياره.
ثانياً: أنّ ما ذكره قدَّس سرَّه دقّة فلسفيّة لا تقاوم ظهور الحديث في نفي أيّ حكم ضرري، إيجاباً أو ترخيصاً خصوصاً إذا كان الترخيص سبباً للإضرار بالغير، كيف والحكم الضرري المنفي في واقعة «سمرة»، هو الحكم الترخيصي، أعني: جواز دخول سمرة في البستان بلا استئذان من الأنصاري.
هذا كلّه على تفسير الشيخ ومن تبعه من المتأخرين، وأمّا على المختار فهو يعم كلّ حكم ضرري سواء كان إيجاباً أو ترخيصاً يكون ذريعة لإضرار بعض الناس ببعض، وذلك بالبيان التالي:
قد سبق انّ مفاد قوله: «لا ضرر» هو نفي وجود الضرر في المجتمع الإسلامي، نظير قول الحاكم عندما يحسّ الشغب والفوضى «لا فوضى ولا شغَب» و من المعلوم نفي الضرر عنه، مع وجوده فيه بكثير، رهن مصحح وإلاّ يلزم الكذب وليس المصحِّح له إلاّ نظر الشارع إلى صحيفة التشريع فيراه خالياً عن أيِّ حكم يكون ذريعة لإضرار الناس بعضهم ببعض فيكون ذاك مسوِّغاً لأن يُخبر عن التكوين أيضاً بخلوِّه عن الضرر، وما ذلك إلاّ لأنّه قد قطع دابر الضرر. فإذا كان ذلك هو المسوِّغ للإخبار عن المجتمع بعدم وجود الضرر، فلا محيص عن خلو صفحة تشريعه عن أيِّ حكم يُستشمُّ منه تجويز الإضرار، من غير فرق بين الإيجاب والترخيص، وذلك مثل جواز منع الماء لغاية منع الكلاء فهو حكم ضرري يكون ذريعة بيد صاحب الماء، منعه عنه الشارع مع كونه حكماً ترخيصياً.
والحاصل: كما أنّ حديث لا ضرر يرفع وجوب المعاملة ولزومها لئلاّ يتخذ ذريعة للإضرار، كذلك يرفع تسويغ منع الماء لئلاّ يتخذ ذريعة للإضرار بأصحاب المواشي لأجل عدم تمكّنهم من الكلاء بعد عدم إمكان سقي الماشية، من الماء الفاضل ولو بالشراء.