تاريخ بغداد - الخطيب البغدادي - الصفحة ١٥٤
لقيت من طرفهم فقلت دخلت يوما إلى مستقرهم فرأيت مراتبهم على مقدرا بليتهم وإذا قوم قيام قد شدت أيديهم إلى الحيطان بالسلاسل ونقبت من البيوت التي هم بها إلى غيرهما مما يجاورهما لان علاج أمثالهم ان يقوموا الليل والنهار لا يقعدون ولا يضطجعون ومنهم من يجلب على رأسه ويدهن اوراد ومنهم من ينهل ويعل بالدواء حسبما يحتاجون إليه فدخلت مع بن أبى خميصة وكان المتقلد للنفقة عليهم ولتفقد أحوالهم فنظروا إليه وانا معه فامسكوا عما كانوا عليه فمررت على شيخ منهم تلوح صلعته وتبرق للدهن جبهته وهو جالس على حصير نظيف ووجهه إلى القبلة كأنه يريد الصلاة فجاوزته الى غيره فناداني سبحان الله أين السلام من المجنون ترى انا أو أنت فاستحييت منه وقلت السلام عليكم فقال لو كنت ابتدات لاوجبت علينا حسن الرد عليك على انا نصرف سوء ادبك إلى أحسن جهاته من العذر لانه كان يقال ان للداخل على القوم دهشة اجلس اعزك الله عندنا وأومأ إلى موضع من حصير ينفضه كأنه يوسع لي فعزمت على الدنو منه فناداني بن أبى خميصة إياك إياك فأحجمت عن ذلك ووقفت ناحية استجلب مخاطبته وارصد الفائدة منه ثم قال وقد رأى معي محبرة يا هذا أرى الة رجلين أرجو ان لا تكون أحدهما اتجالس أصحاب الحديث الاغثاء أم الادباء أصحاب النحو والشعر قلت الادباء قال أتعرف أبا عثمان المازني قلت نعم معرفة ثابته قال فتعرف الذي يقول فيه وفتى من مازن ساد أهل البصرة أمه معرفة وأبوه نكره قلت لا اعرفه قال فتعرف غلاما لقد نبغ في هذا العصر معه ذهن وله حفظ قد برز في النحو وجلس في مجلس صاحبه وشاركه فيه يعرف بالمبرد قلت انا والله عين الخبير به قال فهل أنشدك شيئا من عبثات شعره قلت لا أحسبه يحسن قول الشعر قال يا سبحان الله أليس هو الذي يقول حبذا ماء العناقيد بريق الغانيات بهما ينبت لحمى ودمى أي نبات أيها الطالب اشهى من لذيذ الشهوات كل بماء المزن تفاح الخدود الناعمات