ثواب الأعمال و عقاب الأعمال - الشيخ الصدوق - الصفحة ١٤
فمما يكشف عن مزيد عناية الأب بتربية ابنه رسالته التي كتبها لأجله لخص له فيها كثيرا من الأصول الحديثية، فاختصر الطريق بطرح الأسانيد و الجمع بين النظائر، و الإتيان بالخبر مع قرينه حتّى قيل أنّه أول من ابتكر ذلك في رسالته إلى ابنه، و كثير ممن تأخر عنه يحمد طريقته فيها، و يعول عليها في مسائل لا يجد النصّ عليها، لثقته و أمانته و موضعه من الدين و العلم و هذه الرسالة من مصادر كتاب (من لا يحضره الفقيه) نقل عنها المؤلّف كثيرا، و صرّح بذلك.
و الذي يسترعي الانتباه كثرة مرويات المؤلّف عن طريق أبيه كثرة تفوق مروياته عن كل من شيوخه الآخرين، مما يدلنا على مدى استعداده الذهني و النبوغ المبكّر الذي كان له أكبر الأثر في قابليته الجيدة لكل ما يقرأ و يسمع.
و لا غرابة في نتائج الاحصاء و المقارنة التي تثبت أن الأب- و هو المنبع الأول من منابع ثقافة وليده المرجّى- بذل أقصى جهده في سبيل تثقيف ولده و إسماعه أكبر عدد من مروياته، حتى كان أكثر ما يرويه الولد هو عن طريق شيخه الأول و مربيه الأكمل والده أبي الحسن رحمه اللّه.
و للتدليل على ذلك خذ مثلا كتابا من كتب المؤلّف رحمه اللّه، و نظّم إحصاء شاملا لمروياته عن كل من شيوخه فستخرج بنتيجة أن للأب السهم الأوفر من تلك الروايات.
و هذا كتابه (من لا يحضره الفقيه) لما كان هو أكبر كتبه و أكثرها رواية فقد اختصر أسانيده مقتصرا على ذكر من ينتهي إليه سند الرواية، و كان هو الراوي الأول، و وضع في آخره مشيخة ذكر فيها إسناده إلى اولئك الرواة الذين ورد الحديث عنهم في الكتاب و لم يعرف طريق المصنّف إليهم، و من هذه المشيخة يستطيع الباحث كشف حقيقة ما قلناه عن كثرة رواياته عن أبيه على قصر المدة التي عايشه فيها حتّى فاقت رواياته ما يرويه