خطط الكوفة وشرح خريطتها - لويي ماسينيون - الصفحة ١٠ - مقدمة المؤلف
الإسلامي بل كذلك للدرس الاجتماعي في كيفية ائتلاف الأعراب لحياة المدن و تحضرهم.
فالكوفة كانت مركزا مهما لحادث اجتماعي عظيم و عاصمة لتأسيس الحضارة الإسلامية آنذاك، و هي اليوم أيضا عاصمة واسعة لمستقبل اللغة العربية و علومها [١] و لم تكن أختها البصرة و لا دمشق حتى و لا الفسطاط و القيروان لتعرض لنا صورة واضحة رصينة، كالكوفة و ذلك في التمصير و تثبيت القبائل البدوية الفاتحة المنتصرة و استقرارها على حافة الصحراء في ريف مماس إلى لسان من الرمل اليابس النافذ في منطقة تروى بمياه شط عظيم «الفرات» و في جزء من ذلك القطر الذي كانت له مدنية زاهية زاهرة في الأزمنة الغابرة [٢].
و لقد زرت أطلال الكوفة مرتين في فترة ربع قرن، ففي زيارتي الأولى سنة ١٩٠٨ (من ١٤ إلى ١٧ آذار) لم أتمكن من نقل شيء سوى بعض الصور الفوتوغرافية [٣]. و لكن في زيارتي الأخرى سنة ١٩٣٤ (١٠ آذار) خرجت بالسيارة و ليس على ظهر الفرس كالمرة الأولى) و معي دليل قد هيأه لي أصدقائي الشيعة بالنجف، مارد ابن الشيخ عطية [٤] فزرت أولا الأنقاض القائمة في البقعة التي هي اليوم صحراء جرداء و التي كانت فيما مضى مدينة عربية عظيمة و قطبا
[١] طبعا يقصد من الكوفة اليوم النجف. (المترجم).
[٢] يعني مدينة الكلدانيين و البابليين و الآراميين (المترجم).
[٣] انظر اللوحتين رقم ٤٣ و ٤٤ من كتاب بعثتي.
[٤] الشيخ عطية هذا هو سادن مسجد الكوفة (و ليس بالزعيم النجفي الشهير) و ابنه مارد قد توفي ; قبل ثلاثة أعوام (المترجم).