الوسيط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦١ - ٣ الشهرة الفتوائية
القدماء، بحيث لوحذفنا الشهرة عن عداد الأدلّة، لأصبحت تلك المسائل فتاوى فارغة مجرّدة عن الدليل.
ويظهر من غير واحد من الروايات أنّ أصحاب أئمّة أهل البيت كانوا يقيمون وزناً للشهرة الفتوائية السائدة بينهم و يقدّمونها على نفس الرواية التي سمعوها من الإمام ـ عليه السَّلام ـ ،ولنأت بنموذج:
روى عبد اللّه بن محرز بيّاع القلانص قال: أوصى إليّ رجل وترك خمسمائة درهم أو ستمائة درهم، وترك إبنة، وقال: لي عصبة بالشّام، فسألت أبا عبد اللّهـ عليه السَّلام ـ عن ذلك فقال: أعط الابنة النصف، والعصبة النصف الآخر، فلمّا قدمت الكوفة أخبرت أصحابنا فقالوا: اتّقاك، فأعطيت الابنة النصف الآخر. ثمّ حججت فلقيت أبا عبد اللّهـ عليه السَّلام ـ فأخبرته بما قال أصحابنا وأخبرته أنّي دفعت النصف الآخر إلى الابنة، فقال: أحسنت إنّما أفتيتك مخالفة العصبة عليك..[١]
توضيح الرواية: انّه إذا توفّي الأب و لم يكن له وارث سوى البنت، فالمال كلّه لها، غاية الأمر: النصف الأوّل فرضاًو النصف الآخر ردّاً.
ولكن أهل السنّة يورّثون البنت في النصف و العصبةَ في النصف الآخر، و قدكان حكم الإمام في اللقاء الأوّل بما يوافق فتوى العامة، و لمّا وقف الراوي على أنّ المشهور بين أصحاب الإمام غير ما سمعه ترك قول الإمام وعمل بما هو المشهور عند أصحابه. فلولا أنّ للشهرة الفتوائية قيمة علمية لما عمل الراوي بقول الأصحاب، و هذا يدلّ على أنّه كانت للشهرة الفتوائية يومذاك مكانة عالية إلى حدّ ترك الراوي القولَ الذي سمعه من الإمام وقد أخبر الإمام عند وفد إليه في العام القادم وهو عليه صحّح عمله.
[١] الوسائل: ١٧، الباب ٥ من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد، الحديث٤.