الوسيط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠ - الأمر الرابع الموافقة الالتزامية
المولى و إن لم يلتزم بحكمه.
وربّما يقال: إنّ الالتزام ـ مع العلم بأنّ الحكم للّه ـ أمر قهري، فكيف يمكن أن يواري المسلمُ الميّتَ مع العلم بأنّه سبحانه أمر به و لا يلتزم بأنّها حكم اللّه، فعدم عقد القلب على وجوبه أو على ضدّه أمر ممتنع و بذلك يُصبح النزاع غير مفيد.
وعلى هذا، فالعلم بالحكم يلازم التسليم بأنّه حكم اللّه.[١]
ولكن الظاهر عدم الملازمة بين العلم والتسليم، فربّ عالم بالحق، غير مسلِّم قلباً، فإنّ الإنسان كثيراً ما يعلم بأهلية المنصوب من قبل من له النصب، لكنّه لا ينقاد له قلبه ولا يسلّمه باطناً، وإن كان في مقام العمل يتحرّك بحركته خوفاً من سوطه وسطوته، وهكذا كان حال كثير من الكفّار بالنسبة إلى نبيّنا، حيث إنّهم كانوا عالمين بنبوّته كما نطق به القرآن، ومع ذلك لم يكونوا منقادين له قلباً ولا مقرّين باطناً، ولو كان ملاك الإيمان الحقيقي نفس العلم التصديقي لزم أن يكونوا له مؤمنين حقيقة.[٢]
والذي يدلّ على أنّ بين العلم والتسليم مرحلة أو مراحل قوله سبحانه: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) .[٣]
قيل: نزلت في الزبير ورجل من الأنصار خاصمه إلى النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في شراج[٤] من الحرّة كانا يسقيان بها النخل كلاهما، فقال النبي للزبير: «اسق ثمّ أرسل إلى
[١] لاحظ تهذيب الأُصول: ٢/٤٦ .
[٢] نهاية الدراية:٢/٢٦.
[٣] النساء:٦٥.
[٤] مسيل الماء من الحرّة إلى السهل، و«الحرّة»: الأرض ذات الحجارة.