الوسيط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٤ - موقف أهل السنّة من الإجماع المحصّل
وبما انّ معاداة الرسول وحدها كافية في الجزاء وهذا يكشف عن انّ المعطوف عبارة أُخرى عن المعطوف عليه، والمراد من اتّباع غير سبيل المؤمنين هو شقاق الرسول ومعاداته وليس أمراً مغايراً معه كما حسبه المستدل.
وثانياً: أنّ سبيل المؤمنين في عصر الرسول هو نفس سبيل الرسول، فحجّية السبيل الأوّل لأجل وجود المعصوم بينهم وموافقته معه فلا يدلّ على حجّية مطلق سبيل المؤمنين بعد مفارقته عنهم.
ومنها: قوله سبحانه: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمّةً وَسطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً).[١]
وجه الاستدلال: انّ الوسط من كلّ شيء خياره، فيكون تعالى قد أخبر عن خيرية هذه الأُمّة، فإذا أقدموا على شيء من المحظورات لما وُصِفُوا بالخيرية فيكون قولهم حجة.
يلاحظ عليه: أنّ وصف جميع الأُمّة بالخير والعدل مجاز قطعاً، فإنّ بين الأُمّة من بلغ في الصلاح والرشاد إلى درجة يُستدرُّ بهم الغمام، وفي الوقت نفسه فيها من بلغ في الشقاء إلى درجة خضّب الأرض بدماء الصالحين والمؤمنين، ومع ذلك كيف تكون الأُمّة بلا استثناء خياراً وعدلاً، وتكون بعامة أفرادها شهداء على سائر الأُمم، مع أنّ كثيراً منهم لا تقبل شهادتهم في الدنيا فكيف في الآخرة.
يقول الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ في تفسير الآية: «فإن ظننت انّ اللّه عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين، أفترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر، تُطلب شهادته يوم القيامة وتقبل منه بحضرة جميع الأُمم الماضية؟!».[٢]
وهذا دليل على أنّ الوسطية وصف لعدة منهم، ولمّا كان الموصوف بالوسطية
[١] البقرة:١٤٣.
[٢] البرهان في تفسير القرآن:١/١٦٠.