الوسيط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٦ - ٢ أصالة الصحّة في فعل الغير
والدليل على أصالة الصحّة بهذا المعنى هو وجود الإجماع العملي بين الفقهاء وسيرة المسلمين النابعين من سيرة العقلاء على حمل فعل الغير على الصحّة، وهذا ممّا لا شكّ فيه.
والذي دعا إلى اتخاذهم هذا الأصل سنداً في الحياة هو ملاحظة طبع العمل الصادر عن إنسان عاقل، وهو يعمل لغاية الانتفاع بعمله آجلاً أو عاجلاً، ومقتضى ذلك هو إيجاد العمل صحيحاً لا فاسداً، كاملاً لا ناقصاً، وإلاّ يلزم نقض الغرض وفعل العبث.
ثمّ إنّ أصالة الصحّة متقدّمة على الاستصحاب لأحد وجهين:
الأوّل: انّها أمارة على الصحّة، لأنّ الغالب على فعل الإنسان العاقل المريد هو الصحّة لا الفساد، وانّ الفاسد أقلّ بكثير من الصحيح، فتكون أمارة ظنّية أمضاها الشارع.
الثاني: أنّها أصل لكنّها متقدّمة على الاستصحاب للزوم اللغوية إذا قُدِّم الاستصحاب عليها، إذ ما من مورد من مواردها إلاّ وفيه أصل يدل على الفساد في المعاملات، وعلى الاشتغال في العبادات، لأنّ الشكّ في الصحّة ناشئ غالباً من احتمال تخلّف شرط أو جزء، و الأصل عدم اقتران العمل بهما.
نعم تُقدَّم أصالة الصحّة على استصحاب الفساد إلاّ في موارد كان الفساد فيها هو الطبع الأوّلي للعمل مثلاً:
إذا كان طبع العمل مقتضياً للفساد، بحيث تكون الصحّة من عوارضه الشاذة وأطواره النادرة، كبيع الوقف مع احتمال المسوّغ له، ومال اليتيم ـ إذا لم يكن البائع وليّاً ـ و بيع العين المرهونة مدّعياً إذن المرتهن.
هذا في المعاملات ونظيره في العبادات، كإقامة الصلاة في المكان المغصوب، وفي الثوب النجس، مع احتمال المسوّغ لها فلا تجري أصالة الصحة فيهما.