رحلة إلى رحاب الشريف الأكبر شريف مكة المكرّمة - شارل ديدييه - الصفحة ٥٠ - الفصل الثاني السويس
فإن بعض علماء الاشتقاق الجريئين يرون فيه تحريفا لكلمة : Oasis التي تعني بالعربيّة : الواحة. فإن كان الأمر كذلك ، فإن هناك تباعدا بين الاسم والمسمّى : لأن السويس بعيدة عن أن تكون واحة ؛ إذ ليس فيها شجرة واحدة ، ولا خيط ماء رفيع ، وليس هناك ما هو أكثر قحطا منها ، ولا ما هو أكثر كآبة منها. إنها أرض ضيقة محصورة بين البحر والصحراء ؛ وهما محيطان يغزوان الأرض ويحطمانها ، وهي تكافح بصعوبة ضد هذين العدوّين المخيفين.
فالبحر يشق ويقضم بلا كلل ولا ملل ، الرأس الترابيّ الذي تقع عليه ، أما الرمل فيزحف إليها في كل يوم ، ولم تعد تتسع / ٢٤ / إلا بصعوبة للأربعة أو الخمسة آلاف نسمة الذين لم يغادروها [١]. إن من يقرأ عدد السلع التجارية التي تفخر السويس بأنها مركز تجمعها : كالمعادن ، والنسيج من أوروبا ، والحرير والتوابل من الهند ، منتجات مصر والجزيرة العربية ، والرز والصوف ، والعطور والجواهر والبن اليمني ـ يتوقع أن يجد مدينة مزدهرة في إمبراطورية الخلفاء التي تحدثنا عن روعتها ألف ليلة وليلة.
ليس هناك شيء من ذلك. فكل تلك السلع الثمينة تعبرها ليس إلا ، دون أن تتوقف إلا في محطات الصحراء ، وإن تجارتها البائسة ، تسيطر عليها جماعة من الوسطاء اليونانيين الذين لا يعملون لحسابهم. أما السويس نفسها فهي لا تبيع شيئا ، لأنها لا تنتج أبسط الحاجات الضرورية الأولية ، ماذا أقول؟ لا ينمو فيها أي نوع من الخضار ، وليس هناك قطعة واحدة من العشب الأخضر على أديمها ، ولا يهديها البحر إلا بعض الأسماك القليلة والصغيرة. يأتيها كل شيء من القاهرة ، وليس فيها الماء الذي تشربه الحيوانات ، والذي ينبغي أن يذهب الناس إلى مكان يبعد أكثر من مرحلة للبحث عنه ، أما الماء الذي يشربه البشر
ـ وآخر من حكم من هذه السلالة هي كليوباترة التي سقطت مصر في عهدها بأيدي الرومان.
[١] انظر حول الوصف الذي قدمه الرحالة لمدينة السويس وغيرها من مدن البحر الأحمر في كتاب : مصر في كتابات ... ، موثق سابقا ، ص ٣٦٠ ـ ٣٦٣. وفصّل بيرتون في الحديث عن السويس في رحلته ، موثق سابقا ، ج ١ ، ص ١٣٥ ـ ١٥١.