رحلة إلى رحاب الشريف الأكبر شريف مكة المكرّمة - شارل ديدييه - الصفحة ٢٧٢ - الفصل الحادي عشر من الطائف إلى جدة
قدم لنا الفطور في سرادق مفتوح ، غارق في حضن الخضرة ، وجعلنا سحر هذا المكان الرطب نبقى فيه أكثر مما ينبغي للمسافرين ، ثم غادرناه متأخرين. كان علينا بادىء ذي بدء أن نعبر أحد المراعي أو ما يسمّى بذلك في الجزيرة العربية ، وهو سهل رملي فسيح ، تنتشر فيه طاقات من الأعشاب التي كانت في ذلك الوقت يابسة من الشمس ؛ ونجد في تلك المراعي بعض الأغنام والماعز التي ترعى وحدها. وتبدو هنا أو هناك قرية للرعاة المستقرين تنتشر بيوتها في ذلك السهل. ويسمّى هذا البلد كله حزم القميع [١]. وينتهي السهل قريبا ، وندخل في منطقة جبلية جرداء فيها أودية مثل : وادي طلح ، ويتلوه وادي النبيعة. وكلما توغلنا في المسير أصبح المكان أكثر وحشة وكآبة ؛ فيتعرّج الطريق بين المرتفعات الجرانيتية القاحلة التي أحرقتها الشمس ، أمّا الصخر فهو قاس ، ويكتسي لونا أمغر ، وتلتمع فيه الميكا [٢] Mica وكأنها شذور الجوهرة. ومع أن الشعب كثير الحجارة فإن السير فيه كان في البداية سهلا ، ولكنه ينخفض فجأة ، ويصبح الطريق منحدرا انحدارا عموديا إلى قعر هوة ، كان هذا الممر المسمى ريع المنحوت بفضل الله قصيرا ، ولكنه كان من الصعوبة بمكان. ولم تكن الهجن لتستطيع السير فيه إلّا بصعوبة كبيرة ، وكانت تنزلق في كل خطوة على / ٢٧٠ / الصخور الناتئة أو المتحركة. مع ذلك فإنني لم أهن سحابة ، وهو اسم الهجان الذي كنت أركبه ، بالنزول من على ظهره ، بل بقيت بشجاعة على الرحل ، ولم أندم على ذلك.
وصلنا كلانا ، الهجان وأنا ، سالمين إلى أسفل الهوة ، ولم تكن بقية القافلة أقل حظا منا ، ولما تجاوزنا تلك العقبة ، دخلنا في ريع أكثر تناسبا مع
[١] كتبت في الترجمة الإنجليزية لرحلة ديدييه ، موثق سابقا ، ص ١٣٧HAzm al ـ Qumayyah وفي أصلنا الفرنسي Hazm ـ el ـ Ko ? me ? e وهو الصواب.
[٢] الميكا أو الميكة : هو أحد مكونات الجرانيت ، وكان العرب يسمونه «بلق» ، انظر : معجم المصطلحات العلمية والفنية والهندسية (إنجليزي ـ عربي) إعداد أحمد الخطيب ـ مادةMica عن حاشية رحلات بوركهارت ... ، موثق سابقا ، ص ٦٥ ، الحاشية (١).