تاريخ طبرستان - بهاء الدين محمد بن حسن بن إسفنديار - الصفحة ٢٩ - الباب الأول فى ترجمة كلام ابن المقفع
دع مسلك السفلة إلى المواضع العلية فانصرف عن هذا الرأى ، ومعنى ذلك أنه فى الحقيقة قد اختصت أمم كل إقليم فى العالم بفضيلة وفضل وشرف لا تتمتع به أهل الأقاليم الأخرى ، وقد تميز أهل" فارس" بالشجاعة والإقدام والفن والخبرة يوم الحرب ، والذى يعد أعظم ركن من أركان الملك وأدوات النجاح وأسبابه ، فلو قضيت عليهم فسوف تكون قد اقتلعت من العالم أعظم ركن من أركان الفضيلة وعند ما ينتهى أمر عظماؤهم ، فلا محالة بأن الحاجة سوف تجعل الوضعاء الأخساء يرتقون منازل وأماكن العظماء ، فاعلم حقا أنه لا يوجد فى العالم قط شر ولا بلاء ولا فتنة ولا وباء له من الفساد مثل ذلك الأثر الذى من الأخساء الوضعاء حين يحتلون مكانة العظماء ، فاحذر واصرف عنان الهمة عن تلك النية ، واقطع لسان التهمة ، وأخرسه بكمال عقلك إذ إنه أكثر إيلاما وأثرا من السنان الذى ينزع الروح ، وحتى لا تنسخ شريعة ولا مذهب حسن من أجل وهم وتخمين لا عن حقيقة ويقين بأنك سوف تقضى أياما قلائل من الحياة فى طمأنينة بال وفراغ خاطر.
| فإنما المرء حديث بعده | فكن حديثا حسنا لمن وعى [١] |
" رباعية"
| لو أن عمرك يمتد فى الدنيا إلى ثلاثمائة عام | فاعتبر حياتك فيها بغير مرارة وهم وخرافة | |
| حقا أيها العاقل إذا ما صرت (حديث) أسطورة يوما ما | فكن أسطورة خير لا أسطورة سوء وشر |
فيجب أن تكرم أصحاب بيوتهم وأرباب الدرجات منهم وأمراءهم وكبراءهم بمكانة لديك وحماية منك ووفائك وعنايتك ، وأن تبعد عن خواطرهم أسباب الضجر والتفكير بالعواطف والمراحم منك ، فقد قال الأسلاف إن كل أمر مهم لا يبلغ هدفه بالرفق واللطف لا يتيسر بالقهر والعنف ، والرأى هو أن تقسم ملك" فارس" بين أبناء ملوكهم ، وأن تتوج كل واحد تجده منهم فى كل ناحية وتهبه عرشها ، وأن لا تعطى شخصا قط رفعة ولا تفوقا ولا سيطرة على آخر منهم حتى يستند كل واحد منهم فى منطقة نفوذه على رأى نفسه ، لأن لقب الملك له غرور عظيم ، وكل رأس تحظى بالتاج لا تقبل سطوة وابتزاز شخص آخر ، ولا تنحنى للغير ، وبهذا يبقى الكثير من القطيعة والتدابر
[١] " الذكر الطيب للإنسان بعد رحيله عمر ثان" (المترجم).