أخبار نيل مصر - شهاب الدين بن العماد الأقفهسي - الصفحة ١٠ - ١ ـ دراسة وتقديم
أمسوس وغيرها من المدائن ، حفروا النيل حتى أجروا ماءه إليهم ، ولم يكن قبل ذلك معتدل الجرى ، بل كان ينبطح ويتفرق فى الأرض ، فوجّه الملك نقراوش المهندسين إلى النوبة فهندسوه وساقوا منه أنهارا إلى مواضع كثيرة من مدنهم التى بنوها. ثم لما خربت مصر بالطوفان ، وكانت أيام البودشير بن قفط بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ٧ عدل جانبى النيل تعديلا ثانيا بعد ما أتلفه الطوفان [١].
كما أن نهر النيل أخذ قسطا موفورا واهتماما ملحوظا من القصص الدينى ، من جانب المؤرخين والجغرافيين ، خاصة فى العصر المملوكى وذلك سواء أكان ذلك القصص مما ورد فى القرآن الكريم ، أو فى الأحاديث النبوية الشريفة ، أو مما أثر عن الصحابة والسلف الصالح ، أو من أقوال المفسرين للقرآن الكريم ، وعلماء اللغة. بل إن الكثير من مؤلفات ذلك العصر احتوت على الكثير من الأحاديث المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتى ترجع النيل إلى أنهار الجنة ؛ وتصبغه بصبغة القدسية ، وتضفى عليه صفة الإيمان [٢] ؛ فهو سيد الأنهار ، سخر الله له كل الأنهار والعيون لتمده بمائها وقت زيادته ، فإذا وفّى زيادته وزرعت الأراضى ، أمر الله النيل أن يعود كما كان [٣]. ويبدو أن هذا الاعتقاد الذى سيطر على أفكار الجغرافيين والمؤرخين المسلمين نتج من حقيقة أن الزيادة تحدث فى مياه نهر النيل صيفا ، فى حين أن مياه معظم الأنهار المعروفة تنقص فى ذلك الفصل من السنة.
وكان بلوغ الزيادة فى نهر النيل عند تمام الستة عشر ذراعا ، يعتبر علامة الوفاء ـ أى وفاء النيل ، وعندئذ يستحق تحصيل الخراج الذى للسلطان كاملا [٤]. وتسمى زيادة الستة عشر ذراعا هذه «بماء السلطان». ويذكر المسعودى : أن أتم الزيادات نفعا للبلاد هى زيادة السبعة عشر ذراعا ، وذلك لأنها تروى جميع البلاد ، أما إذا زادت عن ذلك ووصلت إلى ثمانية عشر ذراعا فإن المياه تغطى ربع أراضى البلاد حتى يفوت أوان الزرع ، وهو ما
[١] المقريزى : الخطط ، ج ١ ، ص ٥٢ ، ط. بولاق.
[٢] المقريزى : الخطط ، ج ١ ، ص ٤٩ ؛ السيوطى : حسن المحاضرة ، ج ٢ ، ص ٣٠٢ ـ ٣٠٤ ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، ط. دار الفكر العربى ، القاهرة ١٩٩٨ م ؛ السيوطى : الكلام على النيل ، ص ١٣ ـ ١٩ ؛ كوكب الروضة ، ص ٤٩ ـ ٥١ ؛ الحجازى : نيل الرائد فى النيل الزائد ، ص ٨ ـ ٩ ، مخطوط بدار الكتب المصرية رقم ٣٨٠ جغرافيا.
[٣] ابن ظهيرة : الفضائل الباهرة فى محاسن مصر والقاهرة ، ص ١٦٩ ، تحقيق مصطفى السقا ، ط. دارالكتب ، القاهرة ١٩٦٩ م ؛ المقريزى : الخطط ، ج ١ ، ص ٤٩ ـ ٥٠ ، ص ٦٠.
[٤] المسعودى : مروج الذهب ، ج ١ ، ص ٣٤٣.