منهج الرشاد في معرفة المعاد - الطالقاني؛ محمد نعيم - الصفحة ٢٧٠ - المطلب الثّالث في بيان أصناف الناس وبيان أحوالهم في الجملة في القيامة وفي كيفيّة خلود أهل الجنّة في الجنّة وأهل النّار في النّار
أحدهما من له صحّة ما من العقل والتمييز ، حيث يميّز تمييزا ما بين الحسن والقبيح ، ويعلم الخير من الشرّ ، ويفرّق بين المدح والذمّ ، ويدرك الثواب والعقاب ، فهؤلاء أصحاب التكاليف العقليّة والشرعيّة وما يترتّب عليها من المدائح والمذامّ والمثوبات والعقوبات ، وإن اختلفت درجاتهم في العواقب حسب اختلافهم في المراتب.
وثانيهما من لا يفرّق بين الخير والشرّ ، ولا يعرف البرّ من الهرّ ، كالأطفال والمجانين والبله ، فهم مثل سائر أنواع الحيوان إن فعلوا خيرا فباتّفاق أو تأديب ، وإن انتهوا من شرّ فببخت أو ترهيب ، ليس لهم همّة إلّا ما استدعته قواهم الحيوانيّة ، ولا وجهة إلّا ما اقتضته طبائعهم الجسمانيّة من المآكل والمشارب والملاهي والملاعب ، فقد سقط التكليف عن هؤلاء القوم ، ولا ينبغي لهم مدح ولا لوم وهم يسمّون بالمستضعفين.
فأمّا المكلّفون ، فينقسمون أوّلا أزواجا ثلاثة : السّابقون ، وأصحاب اليمين ، وأصحاب الشمال ، لأنّهم إن آمنوا بالله وحده لا شريك له وبأنبيائه وخلفائه عليهالسلام ، ومع هذا هم من أهل العقول الشريفة والأفهام المنيفة ، وقد حصّلوا طرفا من العلوم الحقّة وتحصّلوا لطائفة من المعارف اليقينيّة ، كلّ على قدر ما في إمكانه ويليق بشأنه ، ومع هذا قد تجمّلوا بمكارم الأخلاق الجميلة ، وتحلّوا بحليّ الأفعال النّبيلة ، وتزيّنوا بزيّ التّقوى من المعاصي والخصال الرّذيلة ، بحيث قد خلصوا من آثار الطبيعة بالكليّة ، فأولئك المقرّبون السّابقون إلى أعلى درجات الجنّة ، المكرّمون من الله تعالى بالرّوح والرّضوان.
وإن آمنوا وأحسنوا وتجمّلوا بالأعمال الصّالحة الفاضلة ، وتخلّقوا بمحاسن الأخلاق العادلة المتوسّطة بين الأطراف ، اللائقة بجمال الأشراف ، إلّا أنّهم لم يبلغوا في العقل والعمل درجات الأوّلين ، فأولئك أصحاب اليمين.
وإن كفروا وأنكروا وجحدوا وألحدوا وأشربوا في قلوبهم حبّ الدنيا واتخذوا إلههم متابعة الهوى ، وركبوا في مهوى الجهالة ، وتاهوا في بيداء الضّلالة ، وأخلدوا في مصارع الدّناءة والسّفال ، فأولئك أصحاب الشّمال.
فهؤلاء أصول الأزواج. ثمّ يمتزج هذه بعضها مع بعض ، فيحصل أزواج أخرى. وذلك أنّ الذين آمنوا وأصلحوا قد يكون منهم عدول في العلم والعمل عن حدود الأوساط ، إمّا