تفسير سورة الفاتحة - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٢٦ - نعبد و نستعين بصيغة الجمع
الذي يحمل في داخله الأمان و السّلام، ليزرعه و ليثمر عزا و قوة، و خيرا و بركة، و سموا و نبلا، ..
و هكذا يتضح أن هذا التوحيد في العبادة، و الانطلاق إلى اللّه سبحانه في رحاب الجماعة بعد أن تسقط جميع الحواجز و الموانع و الحدود الفردية، إن هذا- و لا شك- يفتح أمام هذا الإنسان آفاقا رحبة، تدعوه إلى الانسياب فيها، و الانفتاح على كل ما تحتضنه في داخلها، ليتصل هذا الفرد بكل ما هو خارج حدود فرديته، ليصبح بحجم الإنسان كله، و بمستوى الإنسانية كلها.
و ينطلق كادحا إلى ربه، و إليه فقط دون كل ما سواه، تاركا أفقه الضيق و المحدود، ليستقبل الأفق الأرحب في ملكوت اللّه و يهوّم في رحابه اللامتناهية. سعيدا بما استطاع أن يحصل عليه من مزايا إنسانية، سعيد بدرجات القرب من اللّه تعالى. و بما أكرمه اللّه به يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ[١].
فهذا التوحيد في العبادة و الأفعال قد جعل هذا الإنسان أوسع أفقا و أرحب فكرا، و أكثر وعيا للحياة، و سوف ينتج ذلك مزيدا من التأمل و الفكر، ثم العمل الجاد الذي يكون في مستوى هذه النظرة الشمولية و الواعية.
[١] سورة الانشقاق الآية ٦.