تفسير سورة الفاتحة - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٥١ - و نقول في الجواب
ليتفاعل، ثم ليتأقلم معه، و ليتمكن من تهيئة الوسائل لاستمرار تحركه باتجاه مراحل أخرى أرحب و أوسع و أرقى. فلابد له من هداية في محيطه قبل الانتقال، ثم هداية في حركته الانتقالية، ثم هداية ثالثة حين بلوغه المرحلة الجديدة. فهو كالمسافر الذي يحتاج إلى هداية أولية، ثم إلى هدايات في كل مرحلة يصل إليها، ثم إلى هداية بعد الوصول ليكون على علم بتفاصيل و حالات و مناخ البلد الذي وصل إليه.
و العبادة و القرب من اللّه سبحانه لا ينحصر بالصلاة و الصوم و الحج .. بل إن كل عمل يمكن أن يكون عبادة. و قد يكون تفكرك باللّه، و محاسبتك نفسك في آخر ساعة من نهار أفضل من عامة عباداتك، الخاوية و الخالية من الإخلاص و التفكر، بل قد يصاحبها رياء و عجب، يخرجها من دائرة كونها مظهرا من مظاهر التوحيد، لتكون شركا موبقا و مهلكا.
و قد يكون نومك عبادة إذا كنت صائما. و لا تكون صلاتك عبادة، كما أن كدك على عيالك، و إحسانك لوالديك و مرابطتك على الثغور، و سعيك في قضاء حاجات المؤمنين، قد يوصلك إلى الدرجات العلى، و المراتب السامية، التي ترفعك إلى درجة عبادة الأحرار. و إذا كانت كل درجة تجعل الإنسان ينفتح على اللّه سبحانه، بعقله و وعيه، و فكره و معرفته بصورة أتم و أكبر، فإن صلاته- إذا بلغ بعض المراحل- ربما تصير أكثر معراجية،