الخصائص - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٧٤ - باب القول على الفصل بين الكلام والقول
يعرف إلا بالقول [١] ، أو بما يقوم مقام القول : من شاهد الحال ؛ فلمّا كانت لا تظهر إلا بالقول سمّيت قولا ؛ إذ كانت سببا له ، وكان القول دليلا عليها ؛ كما يسمّى الشىء باسم غيره ، إذا كان ملابسا له. ومثله فى الملابسة قول الله سبحانه (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ) [إبراهيم : ١٧] ومعناه ـ والله أعلم ـ أسباب الموت ؛ إذ لو جاءه الموت نفسه لمات به لا محالة. ومنه تسمية المزادة [٢] الراوية [٣] ، والنجو [٤] نفسه الغائط ، وهو كثير.
فإن قيل : فكيف عبّروا عن الاعتقادات والآراء بالقول ، ولم يعبّروا عنها بالكلام ، ولو سوّوا بينهما ، أو قلبوا الاستعمال ، كان ما ذا [٥]؟
فالجواب أنهم إنما فعلوا ذلك من حيث كان القول بالاعتقاد أشبه منه بالكلام ؛ وذلك أنّ الاعتقاد لا يفهم إلا بغيره ، وهو العبارة عنه ، كما أنّ القول قد لا يتم معناه إلا بغيره ؛ ألا ترى أنك إذا قلت : قام وأخليته من ضمير فإنه لا يتم معناه الذى وضع فى الكلام عليه وله ؛ لأنه إنما وضع على أن يفاد معناه مقترنا بما يسند إليه من الفاعل ، وقام هذه نفسها قول ، وهى ناقصة محتاجة إلى الفاعل ، كاحتياج الاعتقاد إلى العبارة عنه. فلما اشتبها من هنا عبّر عن أحدهما بصاحبه. وليس كذلك الكلام ؛ لأنه وضع على الاستقلال ، والاستغناء عما سواه. والقول قد
[١] قلت : ومن ذلك قول أهل السنة والجماعة : (الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص) فالقول عندهم يشمل قول القلب أى إقراره وتصديقه ، وقول اللسان وهو المعتبر فى إثبات الحد الظاهر من الإيمان وهو الإسلام لأنه لا دليل لنا على قول القلب وإقراره إلا قول اللسان.
[٢] المزادة : وعاء الماء كالقربة. والراوية فى الأصل : البعير يستقى عليه ويحمل المزادة ، وتقال الراوية للمزادة نفسها لأن الراوية ـ وهو البعير ـ يحملها ، فكانت بسبب منه ، فعلى ذلك فهى من المجاز المرسل.
[٢] المزادة : وعاء الماء كالقربة. والراوية فى الأصل : البعير يستقى عليه ويحمل المزادة ، وتقال الراوية للمزادة نفسها لأن الراوية ـ وهو البعير ـ يحملها ، فكانت بسبب منه ، فعلى ذلك فهى من المجاز المرسل.
[٣] يريد أن النجو من النجوة ، وهى ما ارتفع من الأرض ، فقيل للغائط نجو لأن من يريد قضاء الحاجة يطلب النجوة ـ المرتفع من الأرض ـ يجلس تحتها تسترا ، فإطلاق النجو على الخارج هو من المجاز المرسل كذلك وعلاقته المحلية.
[٤] ترى أنه أخرج «ما ذا» عن الصدر ؛ إذ أعمل فيها «كان» وهذا لا شيء فيه. وكلام العرب على ذلك. وقد ذكر ابن مالك هذا فى توضيحه الموضوع على مشكلات الجامع الصحيح ، وقد طبع فى الهند ، واستشهد على هذا الحكم بقول عائشة رضى الله عنها فى حديث الإفك : أقول ما ذا؟ أفعل ما ذا؟. وانظر حاشية الشيخ يس على التصريح فى مبحث الموصول. (نجار).