الخصائص - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ١٢٩ - باب ذكر علل العربية أكلامية هى أم فقهية
أنه جمع لا واحد له.
ثم لنعد فنقول : إنهم إذا كانوا فى حال إكثارهم وتوكيدهم مستوحشين منه ، مصانعين عنه علم أنهم إلى الإيجاز أميل ، وبه أعنى ، وفيه أرغب ؛ ألا ترى إلى ما فى القرآن وفصيح الكلام : من كثرة الحذوف ، كحذف المضاف ، وحذف الموصوف ، والاكتفاء بالقليل من الكثير ، كالواحد من الجماعة ، وكالتلويح من التصريح. فهذا ونحوه ـ مما يطول إيراده وشرحه ـ مما يزيل الشّك عنك فى رغبتهم فيما خفّ وأوجز ، عما طال وأمل ، وأنهم متى اضطرّوا إلى الإطالة لداعى حاجة ، أبانوا عن ثقلها عليهم ، واعتدّوا بما كلّفوه من ذلك أنفسهم ، وجعلوه كالمنبهة على فرط عنايتهم ، وتمكّن الموضع عندهم ، وأنه ليس كغيره مما ليست له حرمته ، ولا النفس معنيّة به.
نعم ، ولو لم يكن فى الإطالة فى بعض الأحوال إلا الخروج إليها عما قد ألف وملّ من الإيجاز لكان مقنعا.
ألا ترى إلى كثرة غلبة الياء على الواو فى عامّ الحال ، ثمّ مع هذا فقد ملّوا ذلك إلى أن قلبوا الياء واوا قلبا ساذجا ، أو كالساذج لا لشيء أكثر من الانتقال من حال إلى حال ؛ فإنّ المحبوب إذا كثر ملّ ؛ وقد قال النبىّ صلىاللهعليهوسلم : «يا أبا هريرة زر غبّا تزدد حبّا» [١] والطريق فى هذا بحمد الله واضحة مهيع. وذلك الموضع الذى قلبت فيه الياء واوا على ما ذكرنا لام فعلى إذا كانت اسما من نحو : الفتوى ، والرعوى ، والثنوى ، والبقوى ، والتقوى ، والشروى [٢] ، والعوّى «لهذا النجم».
وعلى ذلك أو قريب منه قالوا : عوى الكلب عوّة. وقالوا : الفتوّة ، وهى من الياء ، وكذلك النّدوّة. وقالوا : هذا أمر ممضوّ عليه ، وهى المضواء ؛ وإنما هى من مضيت لا غير.
[١] «صحيح» : أخرجه البزار والطبرانى فى الأوسط والبيهقى ، عن أبى هريرة ، والبزار والبيهقى أيضا عن أبى ذر ، وقد جاء من غير وجه ، انظر صحيح الجامع (ح ٣٥٦٨).
[٢] الرعوى : بمعنى المراعاة والحفظ. والثنوى : اسم من الاستثناء. والبقوى : اسم بمعنى الإبقاء. والشروى : المثل. وقد جعل المؤلف الإبدال فى هذا الباب ساذجا أو كالساذج ، وإن كان للفرق بين الاسم والصفة لما كان غير مبنى على الاستثقال والاستخفاف الذى هو الأصل فى حديث الإعلال. (نجار).