الخصائص - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٩٤ - باب القول على أصل اللغة إلهام هى أم اصطلاح
باب القول على أصل اللغة إلهام [١] هى أم اصطلاح؟
هذا موضع محوج إلى فضل تأمل ؛ غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح ، لا وحى (وتوقيف). إلا أن أبا علىّ رحمهالله ، قال لى يوما : هى من عند الله ، واحتجّ بقوله سبحانه : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها) [البقرة : ٣١] وهذا لا يتناول موضع الخلاف. وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله : أقدر آدم على أن واضع عليها ؛ وهذا المعنى من عند الله سبحانه لا محالة. فإذا كان ذلك محتملا غير مستنكر سقط الاستدلال به. وقد كان أبو علىّ رحمهالله أيضا قال [٢] به فى بعض كلامه. وهذا أيضا رأى أبى الحسن ؛ على أنه [٣] لم يمنع قول من قال : إنها تواضع منه [٤]. على أنه قد فسّر هذا بأن قيل : إن الله سبحانه علم آدم أسماء جميع المخلوقات ، بجميع اللغات : العربية ، والفارسية ، والسريانية والعبرانية ، والرومية ، وغير ذلك من سائر اللغات ؛ فكان آدم وولده يتكلمون بها ، ثم إنّ ولده تفرقوا فى الدنيا ، وعلق كل منهم بلغة من تلك اللغات ، فغلبت عليه ، واضمحلّ عنه ما سواها ؛ لبعد عهدهم بها.
وإذا كان الخبر الصحيح قد ورد بهذا وجب تلقّيه باعتقاده ، والانطواء على القول به.
فإن قيل : فاللغة فيها أسماء ، وأفعال ، وحروف ؛ وليس يجوز أن يكون المعلّم من ذلك الأسماء دون غيرها : مما ليس بأسماء ، فكيف خصّ الأسماء وحدها؟
[١] فى الأصل (إلهام) بغير همزة استفهام. وفى المطبوع جعلها الأستاذ النجار (أإلهام) بهمزة استفهام ولا حاجة إليه ؛ إذ الكلام يستقيم بدون زيادتها ، فالسياق دال على الاستفهام ، وقد أجاز الأخفش حذف الهمزة فى مثل هذا الموضع إذا كان فى الكلام ما يدل عليه.
[٢] أى بالقول بالتواضع والاصطلاح.
[٣] أى أبا الحسن ، وهو الأخفش ، وحاصل هذا أن أبا على وأبا الحسن قالا بالرأيين ، وقد صرح بهذا فى ج ففيها بعد ذكر القولين : «وكلا الأمرين أجازه أبو الحسن وأبو على». والتوقيف رأى الأشعرى ، والاصطلاح رأى المعتزلة. (نجار).
[٤] كأن الضمير يعود على آدم ، وقد سبق ذكره فى قوله : «أقدر آدم على أن واضع عليها».